التسلّل إلى مناطق النفوذ الأميركية، التقليدية أو الجديدة نسبياً، بات أحد ثوابت السياسة الخارجية الروسية. أصبح من الواضح أن الرئيس فلاديمير بوتين مقتنع بأن التصدّي لاستراتيجية الحصار والاحتواء والاستنزاف عبر سباق التسلّح، والمعتمَدة حيال بلاده منذ عقود من قِبَل الإدارات الأميركية المتعاقبة، يتطلّب الانتقال إلى سياسة أكثر هجومية على المستوى الدولي، خاصة في المناطق التي تشهد أزمات مستعصية وحروباً. تموضع روسيا في ليبيا يقدم نموذجاً جديداً على كيفية تطبيق سياسة التسلّل أو القضم في دولة نفطية ظنّ البعض، بعد تدخل «الناتو» لقلب نظام القذافي عام 2011، أنها ستخضع لهيمنة غربية مديدة، وعلى القدرة على الاستفادة من التناقضات في معسكر الخصم لعقد تحالفات ظرفية تسمح بالتأسيس لنفوذ قابل للتوسّع مستقبلاً. ولا شكّ في أن اتباع مقاربة براغماتية في السياسة الخارجية، تقوم على الاستعداد للتقاطع أو حتى التحالف مع أيّ جهة بمعزل عن طبيعتها وخلفيتها الأيديولوجية على قاعدة المصلحة المشتركة، ومحافِظة تقدّم «حماية الاستقرار» على أي اعتبارات أخرى، كان من بين العوامل التي سمحت للسياسة المذكورة بتحقيق عدة إنجازات حتى الآن. وفي ليبيا تحديداً، قد تتضمّن هذه السياسة بين دوافعها رغبة انتقامية من عملية الخداع التي تعرّضت لها روسيا عام 2011، عندما امتنعت عن استخدام حق النقض في مجلس الأمن ضد القرار 1973، والذي صيغ نظرياً لـ«حماية المدنيين» عبر إنشاء منطقة حظر جوي، غير أنه استخدم لتغطية غزو «الناتو» للبلد. الدوافع متعددة، غير أن النتيجة هي أن الروس يتقدّمون بخطى بطيئة ولكن ثابتة.

أول من اتهم روسيا بالتدخل عسكرياً في ليبيا هو وزير داخلية حكومة «الوفاق» في طرابلس، فتحي باشاغا، الذي قال إن «الروس تدخلوا لصبّ الزيت على النار وتأجيج الأزمة بدلاً من إيجاد حلّ لها»، وأكد أن «موسكو تطمح لإعادة السلطة إلى فلول معمر القذافي، وتعزيز نفوذها في أفريقيا والجناح الجنوبي من أوروبا». حديث باشاغا عن التدخل الروسي باعتباره جزءاً من عملية إعادة تموضع استراتيجي (بمعزل عن تضمّنه قدراً من المبالغة لأنه لم يتعدَّ حتى الآن وجود 200 عنصر من مجموعة «فاغنر» الأمنية - العسكرية الروسية الخاصة) يسمح لموسكو بالالتفاف على التطويق الذي تتعرّض له عبر القارة الأوروبية من حلف «الناتو» للانطلاق نحو أفريقيا، يهدف إلى إثارة «الحمية» الأطلسية وكسب الدعم لكونه وحكومته سدّاً في مواجهة مثل هذا التموضع. وأضاف باشاغا، في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، أن «التكتيكات العسكرية التي تستخدمها قوات حفتر تغيرت جذرياً وعملياتهم غدت أكثر كفاءة. الغارات الجوية أضحت تُشنّ ليلاً ومن ارتفاع عال، والقناصون الروس ألحقوا أذى شديداً بقواتنا». وهو حثّ الولايات المتحدة على الضغط على حلفائها في السعودية والإمارات لوقف دعمهم لقوات خليفة حفتر، وأكد أن «انسحاب واشنطن شجّع العديد من القوى الإقليمية على خوض حروبهم بالوكالة على الأرض الليبية، والآن جاء دور الروس».
لخليفة حفتر صلات وثيقة جداً، يرى البعض أنها عضوية، بالإمارات وبمشروعها المشترك مع السعودية لبناء تحالف أمني - عسكري في مقابل المحور التركي - القطري. عندما باشر حفتر غزوته للغرب الليبي، بدا أنه يحظى بدعم من الرئيس الأميركي الأقرب إلى التحالف السعودي - الإماراتي - المصري منه إلى المحور التركي - القطري، لكن تحفظات أطراف أخرى في إدارته وفي بعض مؤسسات الدولة العميقة أدّت إلى تغيير في الموقف الأميركي الرسمي والدعوة إلى وقف الهجوم. روسيا استفادت من إرباك وتذبذب السياسة الأميركية في ليبيا، كما استطاعت أن تفعل ذلك في سوريا (مع فارق كبير في مستوى التدخل في الحالتين)، لكن ليس للدخول كطرف في الصراع، وإنما من أجل توظيف تقاطع المصالح بينها وبين حلفاء للولايات المتحدة، في الحالة الليبية السعودية والإمارات، وفي الحالة السورية تركيا، للمزيد من تطوير علاقاتها معهم. هي في الحالة الليبية تراهن على «الحصان» نفسه الذي تراهن عليه السعودية والإمارات، خليفة حفتر، مستندة، بحسب دايفيد كيركباتريك، أحد كبار مراسلي «نيويورك تايمز» المتخصّصين في شؤون الشرق الأوسط، إلى «قواعد اللعبة ذاتها التي جعلت من موسكو صانعة ملوك في الحرب الأهلية السورية». أما آدم إيريلي، السفير الأميركي السابق في البحرين، فهو اعتبر في «واشنطن تايمز» في مقال بعنوان «روسيا تأكل وجبة غداء أميركا في ليبيا»، أن «الفشل الناجم عن القيادة الأميركية على المستوى الدولي خلق نوافذ فرص يستغلّها خصومنا لمصلحتهم وعلى حسابنا... روسيا تحلّ في مكان الولايات المتحدة في ليبيا، وتقيم قاعدة في شمال أفريقيا. ووفقاً لأوجين رومير، مدير برنامج روسيا وأوراسيا في وقفية كارنيغي، فإن فوز روسيا بموطئ قدم في ليبيا، وأن تصبح شريكاً لا غنى عنه في أي تسوية مستقبلية للنزاع الدائر فيها، سيوفران رأس جسر لنفوذها في شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ويضعانها في موقع قوة في مقابل الولايات المتحدة التي احتكرت النشاط البحري في المتوسط في حقبة ما بعد الحرب الباردة».
الحسابات الجيوسياسية الباردة المذكورة هي التي تحكم سياسة التسلل الروسية إلى مناطق النفوذ الأميركية. وهي، نظراً إلى الانقسامات والخلافات داخل المؤسسة السياسية الأميركية وما ينجم عنها من سياسة خارجية متناقضة، ستجد الكثير من الفرص للاستمرار في مناطق متعدّدة من العالم من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية.