جوبا | بعد أيام من لقاءات متتالية في العاصمة الجنوب السودانية، حطّ رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، في جوبا أمس، معلناً سعي بلاده إلى «علاقات استراتيجية راسخة مع الجارة» الجنوبية. حمدوك جاء برفقة وزراء التجارة والخارجية والداخلية والطاقة والتعدين، ومن المقرر أن يلتقي قادة «الجبهة الثورية» السودانية وقوى أخرى في زيارة تستمرّ يومين. وفور وصوله، أوضح حمدوك بنود جدول أعماله، وهي النقاش في قضايا التجارة بين البلدين، إلى جانب ملفات النفط وحرية الحركة والبضائع. وقال: «سعيد بكوني في وطني الثاني جنوب السودان، كما وعدت بأن أول زيارة لي بعد أداء القسم سوف تكون لجوبا». من جهته، وصف نائب رئيس الجنوب، جيمس واني إيقا، حمدوك، بأنه «الشخص الأمثل لقيادة شعب السودان في هذه المرحلة»، قائلاً: «فخورون به ولدينا معرفة قديمة حيث كان صديقاً لنا في الحركة الشعبية منذ أيام الحرب الأهلية، كما أنه كخبير اقتصادي يمكن أن يضع معالجات حقيقية لكل المشكلات».

بعد ذلك، التقى حمدوك الرئيس الجنوبي، سلفاكير مَيارديت، لساعتين، معلناً أنه اتفق معه على «عدم وضع سقف للعلاقة بين جوبا والخرطوم»، في حين ذكرت وزيرة خارجية جنوب السودان، أوت دينغ أشويل، أن الزعيمين ناقشا قضايا لم تُحلّ بموجب اتفاق السلام المبرم عام 2005، والذي أنهى عقدين من الحرب مع الخرطوم ومهّد الطريق لاستقلال الجنوب في 2011. وتأتي هذه الزيارة بعد يوم واحد من التوقيع على «اتفاق إعلان مبادئ وبناء الثقة» بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة برعاية حكومة جنوب السودان، حيث وُقعت اتفاقيتان إطاريتان تمهّدان للتفاوض في الشهر المقبل. وعاد إلى الخرطوم وفد «المجلس السيادي» بعد التوقيع، فيما أعلن عضو الوفد، المتحدث باسم المجلس محمد الفكي، أن مفاوضات السلام مع «الجبهة الثورية» و«الحركة الشعبية شمال» ستبدأ في الرابع عشر من الشهر المقبل.

اتفق السودانيون على موعد للمفاوضات والجنوبيون على موعد لحكومتهم


أما في الصراع الجنوبي ــــ الجنوبي، فاتفق الرئيس سلفاكير، وزعيم المتمردين ريك مشار، على تشكيل حكومة انتقالية بحلول 12 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. لكن مراقبين يرون أن مخرجات اللقاءات جاءت مخيبة للآمال الشعبية الكبيرة التي انعقدت عليها، بعدما كان الشارع الجنوبي ينتظر أن تخرج بقرارات حاسمة حول قضية عدد الولايات التي يجب أن تُحكم بها البلاد في الفترة الانتقالية المقبلة، إلى جانب مسألة إعادة تدريب قوات الحكومة والمعارضة بعد تجميعها لتكون نواة للجيش القومي الجديد للدولة. ووفق مصادر مطلعة، لم تخلص الاجتماعات التي استمرت يومين إلا إلى مجموعة من التصريحات العامة والطمأنة إلى مواصلة الحوار حولها، في حين لا تزال القضايا الخلافية شاخصة بسبب عدم رغبة الحكومة في مراجعة قرار زيادة الولايات من 10 إلى 32، والذي أصدره الرئيس في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، وهو القرار الذي تقول المعارضة المسلحة بقيادة مشار إنه يفتقر الى الشرعية.
ويسوق المتشائمون دلائل على فشل الجولة الأخيرة، وأبرزها اتفاق الجانبين على مواصلة الحوارات على هامش قمة رؤساء «الهيئة الحكومية للتنمية» (إيغاد) والتي لم يُحدَّد موعدها بعد، علماً بأن الوقت المتبقي من عمر الفترة ما قبل الانتقالية لا يكاد يتجاوز ستين يوماً، كان المراقبون يتوقعون أن تُخصَّص لتطبيق بقية البنود العالقة مثل الترتيبات الأمنية التي تحتاج الى 100 مليون دولار أميركي التزمت الحكومة بتوفيرها في أيار/ مايو الماضي من أجل فتح المعسكرات، وتزويدها بالمعدات اللازمة لقوات الحكومة والمعارضة. كذلك، ثمة تحدّيات أخرى من بينها تزايد أعداد الجماعات الرافضة للاتفاقية بحجة أنها لم تحلّ الأسباب الجذرية للأزمة، كما لم تُفرد مساحة وافية لمسألة الفيدرالية التي تطالب بها «حركة جبهة الخلاص»، بزعامة الجنرال توماس سريلو، بينما تستمرّ مجموعة مسلحة أخرى في القتال ضد الحكومة في مناطق إقليم الاستوائية جنوب البلاد، ومناطق غرب وشمال بحر الغزال الواقعة في أقصى الشمال. وقد أدى استمرار هذه الهجمات إلى فرار المزيد من السكان وإعاقة المساعدات الإنسانية. وهذه القضية لم يتطرق إليها الاجتماع بين سلفاكير ومشار، اللذين تركا الباب موارباً أمام مسائل كثيرة.