أُجّلت المفاوضات التي كانت مقررة أمس بين المجلس العسكري وقوى «إعلان الحرية والتغيير»، بعد إعلان مكونات وازنة في التحالف رفضها الاتفاق السياسي الموقع من قِبَل مكونات أخرى تسعى إلى إبرام اتفاق في إطار الوساطة الإثيوبية ــــ الأفريقية المشتركة بضغوط خارجية. رفض يؤشّر إلى انقسام داخل «الحرية والتغيير»، ليس على مستوى المكونات الخمسة فيه فحسب، وهي «قوى الإجماع الوطني» و«تجمع المهنيين السودانيين» و«التجمع الاتحادي المعارض» و«تحالف نداء السودان» و«تجمع منظمات المجتمع المدني»، بل على مستوى الأحزاب التي تنضوي داخل هذه المكونات، من سبيل حزب «الأمة القومي» و«الحزب الشيوعي» و«حزب البعث» و«تجمع القوى المدنية»، و«الجبهة الثورية» التي تضم حركات مسلحة متحالفة مع «نداء السودان»، و«شبكة الصحافيين» أحد مكونات «تجمع المهنيين».

يؤكد قادة التحالف المعارض أن المفاوضات لم تُلغ بعد رفض الاتفاق، بل أُجّلت إلى حين التوافق حول «رؤية موحدة» بين قوى «الحرية والتغيير» حول الاتفاق الممكن، ما يضع التحالف أمام امتحان إثبات تماسكه في مواجهة العسكر، الذي يستفيد من ترك الكرة في ملعب المعارضة في البقاء في السلطة والمماطلة. لكن عضو «الحزب الشيوعي»، فريد إدريس، أكد، في حديث إلى «الأخبار»، عودة الكرة إلى ملعب العسكر، مشيراً إلى أن التحالف أعدّ «مسودة اتفاق واحد وموحد، سياسي ودستوري، وقدمه إلى المجلس العسكري»، و«لحدّ الآن، لا يبدو المجلس رافضاً له»، مضيفاً إنه «إذا لم يوافق عليه، فلن تجرى مفاوضات».

وقّع ممثل «المهنيين» الاتفاق نيابة عن التحالف من دون تفويض


أما في شأن الاتفاق السياسي الموقع، فقد أوضح إدريس أن «من وقّع نيابة عن قوى الحرية والتغيير هو ممثل تجمع المهنيين، أحمد ربيع»، على رغم أن «التجمع سبق أن أعلن رفضه للاتفاق المسرب» قبل أيام، وأكد أنه «حريص على تحقيق أهداف الثورة». ولفت إلى أن «اجتماع مكونات الحرية والتغيير بعد تقديم الوساطة مقترح المجلس العسكري المسرّب، لم يكن لتدارس الاتفاق السياسي، بل كان كل النقاش حول مضمون الاتفاق الدستوري الذي قدمه الوسيط. وخرجوا بوجهات نظر محددة، وأبدوا ملاحظاتهم على المرسوم الدستوري». ولتقديمها إلى العسكر والوسطاء، انتدب التحالف «مجموعة من الممثلين، ليس من أجل التفاوض والتوقيع على اتفاق، بل من أجل تقديم الملاحظات. لكن للأسف ذهبوا وجلسوا وتفاوضوا ووقّعوا، حتى إن ممثل تجمع المهنيين لم يكن مفوضاً ليوقع عن التجمع نفسه».
ولفت عضو «الحرية والتغيير» إلى أن التحالف «أعاد صياغة المرسوم الدستوري، وقدم ملاحظات في قضايا جوهرية مثل حصانة أعضاء المجلس السيادي»، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول بمنح حصانة مطلقة تؤسس لديكتاتورية»، و«قد نقبل بحصانة إجرائية، لكن لا بد أولاً من الحديث عن هذه الإجراءات والاتفاق عليها»، مبيناً أن «رفع الحصانة يستهدف جميع أعضاء المجلس العسكري الملطخة أيديهم بالدماء، وكل من تثبت مسؤوليته في الجرائم التي ارتكبت قبل وبعد سقوط (الرئيس المخلوع عمر) البشير». وهنا، رأى إدريس أن المجلس العسكري لو أقرَّ بمسؤوليته عن الجرائم، ولا سيما جريمة فضّ الاعتصام أمام القيادة العامة، «لكان من الممكن أن يحصل عفو من قبل أسر الشهداء، وهذا تقليد لدى الشعب السوداني، بأنه إذا اعترضتَ وسجلتَ إقراراً بالجريمة وطلبتَ عفواً، يمكن القبول به في إطار مصالحة، تلعب دوراً في قضايا العدالة المطروحة في البلد»، لكن الآن «ثمن هذا الإصرار على التملص من المسؤولية واتهام الغير بجريمة واضحة، سيكون خروج هؤلاء العساكر من المعادلة السياسية بعد تشكيل لجنة التحقيق المستقلة» كما يؤكد. وحول اللجنة، يرفض إدريس «تدويل التحقيق»، مبرراً ذلك بـ«عدم ثقته بالتحقيقات الدولية في مثل هذه الحالات»، ويعطي مثالاً «المحكمة الدولية الخاصة بلبنان»، ذات الاختصاص في التحقيق في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، مذكّراً بأنها «لم تعط نتيجة، وتحكمت بها أجندات خارجية».
وذكر إدريس أن «ثمة قوى من داخل تحالفنا تريد الاتفاق بأي شكل من الأشكال مع العسكر، وليس من مصلحتها التغيير الجذري الذي ننشده، سعياً وراء مكاسب شخصية وحزبية ضيقة، وهؤلاء يمثلون مشروع الهبوط الناعم، مثل كتلة نداء السودان، وأقصد حزب الأمة القومي والمؤتمر السوداني بالتحديد». لكن رغم ذلك، أكد عضو التحالف أن «قوى الحرية والتغيير حريصة على وحدتها، والإبقاء على هذه الجبهة العريضة»، جازماً بأن «الحزب الشيوعي لن يخرج من الحرية والتغيير».