أنهت ثلاثة أيام من المفاوضات ما يقارب ثلاثة أشهر من المعارك السياسية والميدانية بين المجلس العسكري وقوى «إعلان الحرية والتغيير»، باتفاق بدا أشبه بـ«توافق سياسي» بين قوتين استحوذتا على المشهد منذ انقلاب 11 نيسان/ أبريل، وليس تسليماً للسلطة كما كان قادة الحراك الشعبي يطالبون منذ إطاحة الرئيس عمر البشير. هو اتفاق من شأنه تشكيل سلطة مدنية لمرحلة انتقالية من ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، مطعَّمة بالعسكريين في أعلى هرم الحكم: «المجلس السيادي»، على الأقلّ في الأشهر الـ 21 الأولى من الفترة الانتقالية. وحتى ذلك الحين، إلى آذار/ مارس عام 2021، الموعد المفترض لتسليم الرئاسة إلى المدنيين، ثمانية عشر شهراً قبل الانتخابات، يبدو الزمن أقوى من أي ضمانات، في ظل المتغيرات المتسارعة على الساحة السياسية، الداخلية والخارجية، وخصوصاً إذا ما نُظر إلى سلوك «العسكري» طوال فترة حكمه، والعلاقات التي تربطه بمشيخات خليجية بات «التهور» من أوضح سمات سياساتها.

لا شك في أن اتفاق الخرطوم أمس من شأنه حلّ المجلس العسكري، وإحلال ثلاثة هياكل محله: سيادية وتنفيذية وتشريعية. لكنه في واقع الأمر، لا يقصي عساكر المجلس، ولا سيما رئيسه عبد الفتاح البرهان، الذي سيتولى رئاسة «السيادي» في المرحلة الأولى (لأكثر من عام وسبعة أشهر)، في حين لم تُحسم الغالبية لِمَن في المجلس الذي يمثل رأس الدولة. إذ نص الاتفاق على أن يتكون من خمسة عسكريين وخمسة مدنيين، بالإضافة إلى عضو مدني يتوافق عليه الطرفان، ليصبح المجموع أحد عشر عضواً، فيما تبقى للأخير إمكانية ترجيح كفة الميزان لمصلحة أحد الطرفين.
وعلى رغم بقاء البرهان على رأس السلطة، رأى عضو «الحزب الشيوعي السوداني»، المنضوي في قوى «الحرية والتغيير»، فريد إدريس، في حديث إلى «الأخبار»، أن الاتفاق «يصب في مصلحة الشعب السوداني»، وأنه «يلبي أكثر من 85 بالمئة من طموحاته»، و«يحقق مدنية السلطة»، على اعتبار أن لقادة الحراك ــــ فضلاً عن التمثيل بخمسة أعضاء في «السيادي» ــــ صلاحية «تشكيل مجلس الوزراء من 17 وزيراً، جميعهم من قوى الحرية والتغيير، كما حصلت على أغلبية الثلثين في المجلس التشريعي (البرلمان)، الذي سيشكّل في غضون ثلاثة أشهر» كما أكد، أي 67 بالمئة من الأعضاء، بحسب الاتفاق السابق. ويلفت إدريس، هنا، إلى أن صلاحيات «السيادي» محصورة بـ«مهمات تشريفية وبروتوكولية، من سبيل مقابلة السفراء والمشاركة في المؤتمرات واستقبال الرؤساء»، ولا يمكن للمجلس، حتى لو أعطي العسكر الغالبية فيه، أن يتخذ قرارات مثل «إعلان الحرب (مثل المشاركة في العدوان على اليمن)، أو إعلان حالة الطوارئ، لأنها لا بدّ أولاً أن يمررها مجلس الوزراء»، ذو العضوية والرئاسة المدنيَين، ما يعني أن سلطات «السيادي» ستكون «باتباع نظام برلماني وليس رئاسياً».

ترى «الحرية والتغيير» أن الاتفاق يلبّي أكثر من 85 بالمئة من طموحات الحراك


وحول الضمانات التي قدمها «العسكري» بعدم الإخلال بالاتفاق طوال المرحلة الأولى، يقول إدريس إن «الاتفاق سيكون موقعاً من قِبَل الطرفين بإشراف الوساطة الإثيوبية ــــ الأفريقية المشتركة»، كما ستُشكل «لجنة فنية من قانونيين بمشاركة إفريقية تنهي أعمالها خلال 48 ساعة ابتداءً من صباح السبت (اليوم)، كي يتم توقيع الاتفاق السياسي النهائي». وفي حال تنصل العسكر من الاتفاق المكتوب، عليه أن يتحمل «عقوبات من مجلس السلم والأمن الإفريقي، ليس على المجلس المنحل، بل على المستوى الشخصي لأعضائه، والمؤسسات التي يمثلونها»، مثل «العقوبات الشخصية التي كان الاتحاد الإفريقي ينوي اتخاذها بحق نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وأخرى على قوات الدعم السريع التي يرأسها».
وفضلاً عن العقوبات، لا تزال ورقة الشارع حاضرة، ولا سيما أن قوى «الحرية والتغيير» «لم تلغ حتى الآن مسيرة مليونية كان مخططاً لها يوم الأحد المقبل، كما أنها لم تلغ جدول التظاهرات في الـ 13 من تموز/ يوليو، والعصيان المدني الشامل في اليوم التالي» ليبقى ذلك كاختبار لنيات المجلس، بحسب ما يؤكد إدريس، مضيفاً إنه «في حال تنفيذ الاتفاق، سنعيد النظر في العصيان، وسنحول مليونية الـ 13 إلى احتفال كبير». وإذا أخلّ به، فستعود التظاهرات لتتولى الضغط حتى تسليم السلطة، مشيراً إلى أن «العسكر وافقوا على الاتفاق بحكم الأمر الواقع، الذي فرضته إرادة الشعب، وأكدته مليونية الأحد الماضي في 30 حزيران/ يونيو».
يروي عضو التحالف المعارض أنه عندما اقترحت الوساطة المشتركة عودة التفاوض المباشر، اجتمعت قوى «الحرية والتغيير» للاتفاق على موقف موحد، و«كانت هناك ثلاث قوى: واحدة تريد أن توافق على التفاوض المباشر من دون شروط، وثانية كانت رافضة له، وثالثة كانت موافقة، لكن مع وضع شروط. فتم الاتفاق على تقديم الشروط التي قدمت لـ(رئيس الوزراء الإثيوبي) آبي أحمد» في السابع من الشهر الماضي، ومنها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والالتزام بالاتفاقات السابقة، وتشكيل لجنة تحقيق دولية، وإعادة خدمة الإنترنت. هذه الشروط «بُعثت إلى المبعوث الإفريقي، الذي قدمها للمجلس العسكري، فوافق عليها».
وفي هذا الإطار، يؤكد إدريس، لـ«الأخبار»، أن الاتفاق مع «العسكري» ما كان ليكون لولا البدء في تنفيذ الشروط، متحدثاً عن تحقيق أهمها مثل «إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين لقوى الحرية والتغيير، من بينهم ياسين حسن عبد الكريم، من مؤسسي تجمع المهنيين السودانيين، وأحمد ربيع عضو سكرتارية التجمع» اللذان اعتقلا أخيراً، بالإضافة إلى شرط «تشكيل لجنة تحقيق مستقلة» في الأحداث منذ 11 نيسان/ أبريل، موضحاً أن الأخيرة «ستُشكل بعد إعادة هيكلة الأجهزة العدلية وتخليصها من بقايا النظام السابق، بحيث يكون هناك قضاء ووكلاء نيابة وسلطة تستطيع أن تجري تحقيقاً مستقلاً، وخاصة أن لدينا الكثير من الأدلة في الجرائم التي ارتكبها المجلس العسكري» منذ الانقلاب. أما في شأن خدمة الإنترنت، فهي لا تزال على طاولة البرهان، منذ رفع رئيس اللجنة الفنية التقرير الفني إليها بغرض الاطلاع والمصادقة عليه.