حتى الآن، لم يحدد الجيش موعداً للقضاء على الإرهاب في سيناء، مُتذرعاً بالدروب الصحراوية وصعوبة ملاحقة المسلحين فيها حتى بالطائرات، إضافة إلى مراعاة المدنيين ووجودهم في مناطق متعددة. لكن منذ انطلاق «العملية العسكرية الشاملة»، المُسمّاة «سيناء 2018»، يواصل الجيش تنفيذ عمليات مكثفة يروح ضحيّتها مدنيون، لا معطيات في شأن عددهم في ظلّ غياب التوثيق، الذي يقتصر على العسكريين من ضباط وجنود. غيابٌ يدفع بعض المنظمات الحقوقية إلى المبالغة في تقدير الخسائر المدنية، وهو ما تتحمل مسؤوليته الدولة، جراء التكتّم الكبير الذي تفرضه على العمليات.

قبل أيام، أطلقت طائرة عسكرية صاروخَين على منطقة الجورة ما أدى إلى مقتل أربعة مدنيين، وفق شهود أدلوا بإفاداتهم لـ«الأخبار»، فيما تحدث الجيش عن «قذائف مجهولة»، قبل أن يقوم محافظ شمال سيناء بزيارة إلى الأهالي لتقديم التعازي. هكذا، تتساقط عشرات «القذائف المجهولة» بوصف الجيش، فيما تُسارع الدولة إلى انتقاد التقارير التي تُحمّلها المسؤولية عن ذلك، ومنها تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» بعنوان «اللي خايف على عمره يسيب سينا»، صدر قبل أيام. التقرير، الذي رأت الحكومة أنه «مُسيّس ومضلّل»، قالت المنظمة إنه يرصد انتهاكات قوات الأمن المصرية ومسلحي تنظيم «داعش» بحق الأهالي في سيناء، ويوثّق عبر شهادات ــــ تغيب عنها أسماء المواطنين الحقيقيين (تجنّباً لتعرضهم لمضايقات) ـــــ عمليات مشابهة لعملية الجورة الأخيرة التي تجاهلها الجيش كلياً.
كذلك، يرصد التقرير معلومات معروفة للعامة، في مقدّمتها وجود أماكن احتجاز غير قانونية داخل معسكرات الجيش، وعمليات قتل خارج القانون، وتعذيب داخل المعسكرات، وإخفاء قسري لبعض الشبان، وهو ما أثير جدل في شأنه في مراحل سابقة تصاعَد خلالها التوتر بين الجيش والقبائل، قبل أن تتم تسوية الأمر وفق اتفاقات محددة لم يلتزم الجيش سوى بالحدّ الأدنى منها. كذلك فإن مُعدّي التقرير حاولوا مخاطبة المسؤولين، لكنهم لم يتلقوا ردوداً على مدار أشهر، في استمرار لسياسة التجاهل المعروفة.
اللافت أن معلومات القتل خارج القانون تبدو شبه موثقة في بيانات الجيش الذي يعلن مقتل إرهابيين من دون أن تكون في حوزتهم أسلحة، وكذلك حين يُعلن مقتل جميع العناصر الإرهابيين من دون أن يكون هناك شخص واحد على قيد الحياة يحال إلى التحقيق أو المحاكمة. حتى مَن يجري ضبطهم يتم التكتّم عليهم، ولا يتضح مسار قضاياهم أمام القضاء العسكري أو المدني، الذي لم يعلن الجيش إحالة قضية واحدة إليه إبان العمليات التي شهدت في بدايتها استنفاراً عسكرياً، بل ظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي خلالها ببدلته العسكرية داخل غرفة العمليات، مستلهماً روح الحرب التي كان يأمل إنهاءها في غضون أسابيع. أملٌ لم يجد سبيله إلى التحقق مع استمرار الحرب شهوراً من دون نتائج حاسمة، وهو أحد الأسباب الرئيسة التي تسببت في إقصاء وزير الدفاع، الفريق أول صدقي صبحي، بعد محاولة اغتياله لدى وصوله لتفقد القوات في سيناء.

لم يعلن الجيش إحالة قضية واحدة إلى محكمة خلال العمليات


على مدار «سيناء 2018»، نجح الجيش في تحجيم العمليات التي تستهدف قوات الجيش والشرطة، وهذا ما ظهر في تراجع عددها. كما يبدو أنه استطاع إيقاف تهريب السلاح بصورة كبيرة، الأمر الذي أثّر في الجماعات الموجودة هناك والمبايِعة لـ«داعش»، إذ لم تستطع تنفيذ أي عمليات كبيرة أخيراً. لكن عشرات الضباط والجنود سقطوا قتلى ومصابين بسبب ضعف التنسيق في بعض الأحيان، أو الاستهانة بإمكانات الإرهابيين، فضلاً عن استخدام معدات غير مناسبة في بعض المناطق، ما عطّل تحركات قوات الإسناد أحياناً.
ومن المهم التذكير بأنه لم يكن لـ«العملية الشاملة» أن ترى النور من دون تنسيق عسكري مع العدو الإسرائيلي على أعلى مستوى، في ظلّ التحسن المطّرد في العلاقات بين السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. والجدير ذكره، هنا، أن الأخير وافق على دخول أضعاف القوات التي يُسمح بوجودها في سيناء، وبأسلحة ثقيلة مخالفة لـ«اتفاقية كامب ديفيد» من دون اعتراض، بل سُمح للطائرات المصرية بالتحليق وتنفيذ عمليات نوعية في المنطقة «ج» التي يُحظر فيها الطيران العسكري، إضافة إلى دخولها المجال الجوي فوق فلسطين المحتلة، وهو ما تحدث عنه السيسي علناً للتدليل على قوة العلاقة والتنسيق.