تلقى المشير خليفة حفتر ضربة قوية ومفاجئة في المنطقة الغربية لطرابلس بسقوط مدينة غريان الاستراتيجية، التي اعتمدها مقراً لقيادة عملياته العسكرية ضد العاصمة منذ سيطرته عليها قبل يومين من إطلاق الهجوم في الرابع من نيسان/ أبريل الماضي. تقدم ميداني يُعدُّ الأبرز لقوات حكومة الوفاق منذ ذلك الحين، قد يُحرك ركود المشهد الميداني والسياسي الذي ظلّ يراوح مكانه أخيراً بتزكية دولية وإقليمية، ولا سيما في ظل مبادرات لاستئناف العملية السياسية، لم يتلقفها المجتمع الدولي بأي ترحيب أو مبادرة.
ولا يخفى دور الدعم الإقليمي لطرفي الصراع في تحديد مسار المعارك، واتضح أكثر أمس في «استعادة» غريان، التي دخلتها قوات الوفاق بعد أيام على شنّها عشرات الضربات على المدينة الجبلية بطائرات مسيرة من طراز «بايراكتار تي بي 2» تركية الصنع، والتي باتت تستخدمها على نحو يومي بمساعدة خبراء أرسلتهم أنقرة، تسببت بالفعل بأضرار كبيرة لقوات حفتر، أبرز نتائجها كانت تدمير شحنة مؤن وأسلحة لقوات حفتر الأسبوع الماضي.
في المقابل، لم يخفَ الدعم الخارجي لحفتر في معارك أمس أيضاً، فالمدينة التي تستضيف قاعدة خاصة للقوات الفرنسية تم إنشاؤها لمساعدة حفتر، تحتضن أيضاً «مرتزقة» سودانيين وتشاديين، بحسب ما أظهرت مشاهد انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي. ويبدو من خلال أحد المقاطع التي تصور استجوابهم من قِبَل عناصر قوات «الوفاق»، أن السودانيين هم من حركة «العدل والمساواة» المنشقة عن «حركة تحرير السودان»، التي أسسها عبد الواحد محمد نور عام 2002 (بدأت نشاطها العسكري عام 2003)، والذي لا يُخفي علاقاته بإسرائيل منذ أن زار الأراضي المحتلة عام 2009 لحشد الدعم ضد الخرطوم، حين كان يرفض كل مسارات «السلام» مع الحكومة السودانية في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، ولا يزال يرفض بعد سقوط الأخير المبادرات والمفاوضات بين المجلس العسكري وقوى «إعلان الحرية والتغيير» التي تقود الاحتجاجات.

تقدم طرف على حساب آخر يعزز الحل العسكري في طرابلس ومحيطها


وبينما أكدت حكومة الوفاق السيطرة الكاملة على المدينة التي تمثل بوابة العبور إلى طرابلس «عبر عملية عسكرية وتنسيق بين القادة العسكريين في كل المحاور وسلاح الجو»، كما قال الناطق باسم قواتها محمد قنونو، أمس، لم يُقرّ المتحدث باسم قوات حفتر، اللواء أحمد المسماري، بخسارة المدينة بأكملها، مؤكداً أنها ستستعيدها «خلال ساعات». وعلى رغم الاشتباكات التي قُتل خلالها أربعة مقاتلين وأصيب أكثر من 23 آخرين، أرجع مصدر عسكري من قوات حفتر خسارة المدينة إلى «خيانة» في منطقة القواسم، حيث «دخلت مجموعات مسلحة ووزعت أسلحة» فيها، علماً بأن حفتر كان قد ضمّ إلى صفوفه تشكيلات عسكرية بعضها كانت محسوبةً على الإسلاميين في المدينة، التي تُعدّ من بين عدة بؤر استراتيجية محيطة بالعاصمة، سيطر عليها حفتر في الأيام الأولى للهجوم، من بينها مدينتا صبراتة وصرمان غرباً ومدينة ترهونة جنوباً، بعدما ضم قوى قريبة منه إلى صفوفه كـ«اللواء السابع» (بعد تغيير اسمه)، وتشكيلات عسكرية أخرى محسوبة على أنصار معمر القذافي.
استعادة «الوفاق»، غريان، التي تمثل قاعدة الإمداد الأساسية لهجوم حفتر، تبدو بداية لعملية توغل جديدة تعتزم حكومة الغرب شنها، وهو ما أكده قنونو أمس، بقوله إن «العمليات العسكرية ستستمر حسب الخطط الموضوعة»، و«لن تتوقف حتى تصل إلى مدينة بنغازي». لكن بعيداً من الوعود، قد تكون العملية حاسمة في الحرب فعلاً، نظراً الى سرعة «سقوط» المدينة من يد حفتر، ولا سيما أن من شأن سيطرة «الوفاق» عليها قطع خطوط إمداد رئيسة لقوات حفتر في المحاور المتقدمة مثل مطار طرابلس وخلة الفرجان وصلاح الدين وعين زارة ووادي الربيع.
لا شك في أن تقدم طرف على حساب آخر يعزز الحل العسكري، لكن في ظلّ رؤيتين متناقضتين للحل، قائمتين على إقصاء الآخر من المحادثات، يبدو الحسم العسكري في طرابلس ومحيطها بوابة الطرفين الوحيدة لدخول قوي إلى المفاوضات.