الخرطوم | تعثرت الجولة الثالثة من المفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي وتحالف «قوى الحرية والتغيير» لتنتهي عند ثلاثة اتفاقات في شأن هياكل الحكم، وفترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، وأغلبية لقادة الحراك الشعبي في عضوية المجلس التشريعي، ليبقى الاتفاق على مجلس الوزراء و«المجلس السيادي» قيد التفاوض، في ظلّ تعقيدات طرأت على المشهد خلال اليومين الماضيين، تمثلت بدخول كيانات وتيارات سياسية كالإسلاميين على الخط، وظهور أخرى جديدة، ترفض جميعها المفاوضات ومخرجاتها، على اعتبار أن حصرها بين قادة الحراك والمجلس يجعلها «إقصائية».

وبعد شهر وعشرة أيام على إطاحة الرئيس المعزول عمر البشير، وعلى رغم الضغوط الكبيرة التي يواجهها في ميدان الاعتصام المفتوح، لا يزال «المجلس العسكري» يصرّ على قيادة المرحلة الانتقالية، على أن تكون الأغلبية للعسكريين داخل «السيادي»، بحسب ما أعلن «تجمع المهنيين السودانيين» أمس، فيما تطالب «قوى الحرية والتغيير» بمنح المدنيين رئاسة المجلس، وجدد التجمع ذلك في بيان أكد أن «السلطة المدنية تعني أن تكون هياكلها مدنية بالكامل وبأغلبية مدنية في جميع مفاصلها».
وعلى غرار الجولتين الأولى والثانية، اللتين انتهتا بتصعيد من قِبَل قادة الحراك الشعبي، أولاً بتوسيع رقعة الاعتصام وتجديد مظاهر الاحتجاج في مختلف المناطق، وثانياً بمسيرة مليونية تطالب بتسليم السلطة إلى المدنيين، سُلّمت على إثرها وثيقة دستورية تعبّر عن رؤية قادة الحراك للمرحلة الانتقالية، دعا «تجمع المهنيين السودانيين»، أمس، بعد إعلان تعثر المفاوضات، إلى إضراب سياسي عام، بعدما هدد بحملة عصيان مدني تشمل إضرابات جماعية خلال الجولة الثالثة، حين شهدت الأخيرة توقفاً إثر هجومين مباغتين لقوات «الدعم السريع» التي يرأسها نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي»، قبل أن تستأنف بجلسة طويلة تواصلت من مساء الأحد الماضي (الساعة العاشرة) حتى الساعات الأولى من صباح أول من أمس (الاثنين)، من دون تحقيق أي تقدم.

يعتمد «العسكر» في الإصرار على «عسكرة السيادي» على دعم محور السعودية والإمارات ومصر


وفيما رأى «تحمع المهنيين» أن المجلس «يتعنت بأن يكون مجلس السيادة ذا أغلبية عسكرية، وأن يكون رئيسه عسكرياً»، شدد القيادي في «الحزب الشيوعي السوداني»، عضو «قوى الحرية والتغيير»، صديق يوسف، في حديث إلى «الأخبار»، على «ضرورة أن تكون رئاسة مجلس السيادة للمدنيين، وأن يعطى العسكريون نسبة محدودة»، مؤكداً أنهم «ماضون نحو خيارات التصعيد ممثلة بالإضراب السياسي والعصيان المدني» من دون أن يحدد توقيت بدء الإضراب العام. من جهته، أكد الأمين العام لحزب «المؤتمر السوداني»، عضو قوى «الحرية والتغيير»، خالد عمر يوسف، لـ«الأخبار»، أن «كل الخيارات مفتوحة أمامنا بعد الوصول مع المجلس العسكري الانتقالي إلى طريق مسدود، إلى أن تتحقق أهداف الثورة»، لافتاً إلى أن «قوى الحرية والتغيير لم تحدد بعد زمن العصيان المدني»، علماً بأن البلاد شهدت أمس حالات إضراب متفرقة، وخروج بعض موظفي البنوك وشركات الاتصالات إلى الشوارع في الخرطوم للمطالبة بحكم مدني، فيما يستمر إضراب الكثير من العاملين في القطاع الصحي منذ 19 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، عندما بدأت الاحتجاجات الحاشدة ضد البشير. وفي هذا الإطار، أكد «تجمع المهنيين» أن المحتجين «أبدوا استعدادهم لتنفيذ الإضراب»، مشيراً إلى أن موظفي بنكَي «النيل والتنمية» (حكومي) و«البنك السوداني الفرنسي» (حكومي) نفذوا وقفة احتجاجية، ونفذ أساتذة «جامعة الخرطوم» وموظفو شركات الاتصال «زين» و«إم تي إن» و«هواوي» وقفات أخرى أعربوا فيها عن تأييدهم للإضراب والعصيان المدني.
ويرى السفير السابق والأمين السياسي لـ«المؤتمر الشعبي»، إدريس سليمان، في حديث إلى «الأخبار»، أن «قوى الحرية والتغيير سمحت للمجلس العسكري بالبقاء والمشاركة في الحكم لمدة طويلة، عندما طالبت بأن تكون الفترة الانتقالية أربعة أعوام» كما جاء في الوثيقة الدستورية، على أن تكون له نسبة تمثيل في مجالس السيادة والوزراء والتشريع، لكن «العسكر»، رغم ذلك، يصرّون على عسكرة «السيادي»، معتمدين على الدعم الخارجي، السياسي والمالي، من قِبَل محور السعودية والإمارات ومصر، وبضوء أخضر أميركي، فيما يقدم هذا المحور غطاءً مالياً، آخره ضخّ 250 مليون دولار في خزينة بنك السودان قبل يومين، وآخر سياسياً، من سبيل تمديد إنذار «الاتحاد الإفريقي» للمجلس لمدة شهرين، ليضفي عليه شكلاً من أشكال «الشرعية»، فضلاً عن اللقاءات مع وفود سعودية وإماراتية وأخرى مع سفيرَي المشيختين في الخرطوم، والقائم بالأعمال الأميركي، ستيفن كوتسيس.
من هنا، يرى المحلل السياسي والقيادي السابق في «الحزب الشيوعي السوداني»، الحاج حمد، أن هذه العلاقة تأتي في سياق أن «المجلس العسكري» يُعَدّ جزءاً من النظام السابق الذي كان منحازاً إلى هذا المحور، مضيفاً أن «المجلس حتى الآن ليس لديه شيء مستقل، إنما هو فقط يمرر سياسيات النظام السابق كما هي»، سواء الداخلية في قمع المحتجين أو السياسات الاقتصادية، أو الخارجية من سبيل قراره الاستمرار في المشاركة في حرب اليمن. وأكد حمد، في حديث إلى «الأخبار»، أن المحاور الإقليمية مرتبطة بخريطة دولية، مذكراً بأن الاتحاد الأوروبي استخدم قوات الدعم السريع في حماية حدوده لمحاربة الهجرة غير الشرعية، لافتاً إلى أن الحراك الشعبي بات يواجه «تحالفات دولية، الخروج منها ليس أمراً سهلاً».



صلاح قوش... طه عثمان جديد؟


أمرت النيابة العامة باعتقال رئيس المخابرات السابق، صلاح قوش، أمس، لاستجوابه في شأن حساب مصرفي يحوي 46 مليار جنيه سوداني (مليار دولار أميركي) لا يجري الصرف منه إلا بتوقيعه، بحسب ما ذكر مكتب النائب العام السوداني، لكن حراسه حالوا دون اعتقاله، وفق تأكيد أعضاء «نادي النيابة العامة» (هيئة تضم وكلاء النيابة العامة)، الذين أشاروا في بيان إلى أن «قوة الحراسة المكلفة حراسة المتهم، التابعة للأمن والمخابرات السودانية، رفضت تنفيذ الأمر» وقاومته «بالقوة».
يأتي ذلك في وقت تتضارب فيه المعلومات عن مكان قوش، إذ يشير بعضها إلى أن الرجل في جولة طويلة خارج البلاد تشمل الولايات المتحدة ومصر والإمارات، فيما تقول أخرى إنه لم يسافر إلى الخارج، وإنه قطع اتصالاته مع المجلس العسكري واختفى في «مكان آمن» على حدّ وصف مصادر وصفتها صحيفة «باج نيوز» بالموثوقة. لكن صحيفة «مصادر» المحلية كانت قد ذكرت، الأحد الماضي، أن قوش التقى خلال زيارة للقاهرة بمسؤولين نافذين في المخابرات المصرية، وسياسيين معنيين بالشأن السوداني، كاشفة أيضاً عن لقاءٍ آخر في واشنطن، جمعه بنافذين في الـ«بنتاغون» ووكالة الاستخبارات الأميركية. وكانت صحيفة «اليوم التالي» قد ذكرت، يوم الاثنين الماضي، أن قوش زار الإمارات برفقة ضابط من جهاز الأمن والمخابرات، والتقى بمسؤولين في أبو ظبي.
خروج قوش من السودان أو عدم اعتقاله إلى الآن، على رغم أنه متحفَّظ عليه، استوقف المتابعين، في ظلّ تأكيد ضلوع الرجل في قتل متظاهرين واستخدام قواته القمع المفرط ضدهم، ما يرجِّح أن يكون خروجه قد حصل بموجب تفاهمات بين المجلس العسكري ودول المحور الداعم له، لأداء دور في مستقبل البلد، ولا سيما أنه تربطه علاقات وثيقة بالـ«سي آي أيه»، التي كانت قد وضعته بحسب موقع «إنتلجنس أونلاين» الأميركي، في شباط/ فبراير الماضي، بديلاً لرئاسة السودان حال سقوط البشير. كذلك تربطه علاقة جيدة بالإمارات ودوائر المخابرات المصرية.
ويبدو دور قوش في هذه المرحلة شبيهاً بدور الرئيس السابق لمكتب الرئيس المخلوع عمر البشير، الفريق طه عثمان الحسين، الذي كان مفضلاً لدى الأول في تولي المهمات الصعبة، ويُعدّ واحداً من اللاعبين الأساسيين في تحسين علاقة السودان بالسعودية والإمارات، وأدى أدواراً في توفير الأموال لخزينة الدولة.
(الأخبار)