بيت لحم | بدأت حكاية التشتّت الفلسطيني قبل واحد وسبعين عاماً مع بدء المشروع الصهيوني القائم على الاستيطان والإحلال. انتهت مخططات طويلة، أهمها «الصندوق القومي لشراء الأراضي» وتشكيل العصابات المسلحة، إلى نتيجة أساسية هي النكبة؛ طُردت غالبية الفلسطينيين سنة 1948 من أراضيهم لإحلال المهاجرين اليهود بدلاً منهم وإقامة دولة يهودية. هذه القصة معروفة، لكن من بعدها تأتي القصص اللامنتهية، لأن فقدان الأرض يعني فقدان أهم عنصر في حياة الفلسطينيين، ولا سيما القرويين.

مخيم الدهيشة، الواقع جنوبي شرقي بيت لحم (جنوب الضفة المحتلة)، هو واحد من الأماكن التي لجأ إليها الفلسطينيون آنذاك للحصول على الأمن. وقع على المخيم وسكانه الجدد كل ما حملته حرب 1948 من ويلات لم تقتصر على فقدان مكان العيش ومصدر الرزق، بل محاولة تدمير الهوية والثقافة وانتزاع التراث. صحيح أن الفلسطيني فقد الأرض بقيمتها المادية كبنية إنتاجية كانت تقوم حياته عليها، لكن القيمة المعنوية لها تبقى، كما يصرّ اللاجئون كباراً وصغاراً، محفوظة في الوجدان، ويتناقلونها جيلاً بعد جيل في رواية تاريخية وواقعية.
لكنّ ما لا يمكن التغاضي عنه هول نتائج التحولات التي طاولت الشخصية الفلسطينية القرويّة، أو الفلّاحة بالتعبير المحلي، إذ عملت طوال عمرها في زراعة الأرض، لتصير شخصية أخرى بعدما شهدت تحولاً اقتصادياً نقلها من «فلاح» إلى «عامل»، ولا سيما مع إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالإسرائيلي الذي يعدّ قوة مهيمنة فرضت سياساتها أيضاً على الضفة المحتلة وقطاع غزة في التجمعات الديموغرافية كافة، بما فيها المخيمات.
والمخيم يعبّر عن نكبة الفلسطينيين الفلاحين، لأن الغالبية من سكان المخيمات تضم القرويين الذين سعوا بكل قوة إلى توجيه أبنائهم نحو التعليم، وخاصة بعد قدوم السلطة الفلسطينية وتوسع مؤسساتها. هذا التحوّل الاقتصادي غير الطبيعي ولّد أبعاداً نفسية واجتماعية سيئة أثرت في حياة اللاجئين ممن فقدوا حالة الاكتفاء الذاتي التي كانوا يعيشونها سابقاً، وشعورهم في ما بعد بعقدة نقص نتيجة فقدان وسيلة الإنتاج الأساسية ألا وهي الأرض. فالأرض، إلى جانب أنها مصدر إنتاج أساسي، كانت تمثّل أيضاً دافعاً نفسياً وحافزاً للفرد واستمرارية وجوده بل حتى طريقة تعريف نفسه.

هذه النكبة ليست مجرّد ذكرى، بل ويلاتها مستمرة ويعيشها الفلسطينيون يومياً


اليوم، المارّ في أزقة الدهيشة يلحظ في كل خطوة يمشيها الكتابات التي تُجمع غالبيتها على إبراز اللجوء وحق العودة إلى القرى الأصلية، وهي القضية التي يحاولون أن يتكيفوا بعدها مع حياتهم القسرية الجديدة، عبر التنظيمات السياسية واللجان الشعبية والدواوين العائلية، إضافة الى المؤسسات الاجتماعية التي تعنى بقضايا اللاجئين وتعزيز الهوية الوطنية وغيرها من المجموعات الشبابية. وكلها تعبّر عن ثقافة وجو سياسي يسعى المخيم إلى أن يبقى أهله ضمنها، مع أن للعائلة الدور الأساسي في بلورة الهوية، بدءاً من التعريف الأولي وصولاً إلى العادات التي ظلت متمسكة بها وتعود إلى تقاليد القرى المهجرة منها،
يقول اللاجئ يعقوب حمامدة، وهو من سكان المخيم، «طبعاً بنحكيلهم (الأولاد) وهُمّا بعرفوا إنّا إحنا لاجئين، وإنّا إحنا مهجّرين، وإنّا عايشين في ظلم»، موضحاً أنه رغم حالة التفكك التي شهدتها العائلة الفلسطينية بعد النكبة، وتحولها من عائلة ممتدة إلى نووية، فإنها تواصل دورها الوطني. من جانب آخر، يتواصل التضامن الاجتماعي الذي كان سائداً ما قبل النكبة ويتمثل بالعمل في الأرض والمشاركة في الأفراح والأتراح، لكنه تحوّل بعدها إلى أنماط أخرى، الجامع بينها أن التضامن بين الناس هو إحدى صور المقاومة وتعزيز الصمود. وتظهر تجليات ذلك في حال ارتقاء شهيد أو دخول العدو إلى المخيم وحدوث المواجهات واعتقال الشبان.
إلى ذلك، يرى سكان المخيم أنهم أصحاب الهمّ الأول في حمل قضية اللاجئين على أكتافهم، وخاصة مع تراجع أولويتها منذ توقيع «أوسلو» ونشأة سلطة بوظيفة معينة وبمخططات بعيدة عن حل هذه القضية تحديداً، إضافة إلى الصفقات المتعددة التي يدور النقاش حولها بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتحالف الخليجي. وهذا يدلّ على أن من فقد أرضه قبل واحد وسبعين عاماً لم يُشفَ بعد من مرارة الفقد، وأن هذه النكبة ليست مجرد ذكرى، بل لا تزال ويلاتها مستمرة ويعيشها الفلسطينيون واللاجئون خاصة كل يوم.