الحسكة | يجعل الحراك القائم لصياغة مستقبل منطقة الجزيرة السورية الأسئلة حول دور العشائر العربية أكثر إلحاحاً، ولا سيما مع تسابق اللاعبين على استثماره، جرياً على عادة سنوات الحرب الماضية. التدخل الإقليمي والدولي، وانشغال دمشق في حسم معارك «مصيرية»، ساعدا على تعميق شروخ النسيج العشائري في الشرق والشمال السوري، وهو ما رتّب تبعات سياسية وعسكرية لن يسهل تجاوزها مستقبلاً. وبرغم ميل الزعامات التقليدية للعشائر إلى حفظ الولاء لدمشق، اصطفّ بعضها، مدفوعاً بمصالح مرحلية أو ضغوط أمنية/ عسكرية، تحت لواء القوى التي سيطرت على مناطق الجزيرة ووادي الفرات والبادية تباعاً. وتَجسّد الحضور التاريخي في الخندق الحكومي، في انخراط أبناء العشائر في صفوف الجيش السوري، والقوات الرديفة له من «الدفاع الوطني» و«كتائب البعث» و«الأنصار»، إلى «قوات العشائر» و«المغاوير». وكان لهؤلاء دور جوهري في منع سقوط مدينة دير الزور كاملة بيد «داعش»، ودحر التنظيم على أعتاب الحسكة، إلى جانب تحرير مساحات واسعة من البادية.

ومع أفول المعارك الساخنة، وارتفاع الرهانات على مستقبل الجزيرة ووادي الفرات، بات استقطاب العشائر قاسماً مشتركاً بين جميع اللاعبين. وحاولت «الإدارة الذاتية»، مستفيدة من «الشراكة» العسكرية تحت راية «قسد»، تعويم أهدافها ولا سيما «اللامركزية»، لتكون «مطالب» جميع مكونات الجزيرة وعلى رأسها العشائر العربية. ولكن تهميش الدور العربي لسنوات كان عاملاً حاسماً في إحباط تلك المحاولة نسبياً، وكان فشل «ملتقى عين عيسى» في حشد حضور عشائري واسع، تعبيراً عن رفض القوى العربية لتبني طروحات «الإدارة الذاتية» بالجملة. ودفع ذلك منظمي الملتقى إلى تشكيل لجنة تعنى بدراسة «المظالم» التي طرحها ممثلو بعض العشائر، أو تظهّرت في الاحتجاجات الأخيرة التي شهدها ريفا دير الزور والرقة، إلى جانب الاستعداد للإعلان عن «عفو عام» يتيح الإفراج عن المعتقلين، في موازاة وعود بإطلاق مشاريع تنموية وخدمية.
يؤكد الأكاديمي والباحث الكردي، فريد سعدون، أن «العشائر عاشت انقساماً واضحاً خلال الحرب، ودفعت بسببه ثمناً غالياً»، لافتاً إلى أن تعويم زعماء «لأسباب أيديولوجية وسياسية، يتعلّق بالمشاريع التي تُعدّ للمنطقة». ويوضح في حديث إلى «الأخبار» أن «الإدارة الذاتية حاولت إبراز شيوخ على مقاسها، وبما يتناسب مع مشروعها، وهو ما ينطبق على تركيا التي تريد التدخل في المنطقة، باسم العشائر وبحجّة الدفاع عنهم».
وفي مقابل الرهانات الأميركية والتركية على استخدام ورقة العشائر، برزت مواقف عشائرية تعوّل على تعزيز حضور الدولة السورية، ولا سيما عبر ملتقيات دعت إلى رفض الاصطفاف إلى جانب أنقرة وواشنطن، وترك «قوات سوريا الديموقراطية» والالتحاق بصفوف الجيش السوري. وفي هذا السياق، يكشف المتحدث باسم عشائر قبيلة طي، فيصل العازل، أن «من يقاتلون (من أبناء العشائر) مع قسد، التحقوا لمحاربة الإرهاب، وهم يرفضون فكرة رفع السلاح في وجه الدولة السورية». ويرى العازل، في حديث إلى «الأخبار»، أن «العشائر في الجزيرة السورية ارتفع صوتها، وبات حضورها أقوى في المشهد السياسي، وبدأت تأخذ دورها التاريخي في رد المخاطر عن البلاد».
بدوره، يرفض رئيس «الهيئة السياسية والإعلامية لمجلس القبائل والعشائر السورية» في الحسكة، أحمد الإدريس، فكرة الانشقاق في صفوف العشائر، مؤكداً أنه «لم يحصل انشقاق أو اختراق لعشائر أو قبائل بصورة كاملة، إنما تم تصنيع واجهات معينة للقول إنها تمثل عشيرة أو قبيلة، وهو ما تم كشفه وإسقاطه شعبياً». ويوضح الإدريس أن «مجلس القبائل والعشائر يضم ممثلين عن المكونين السرياني والكردي، ووجوهاً من أسر وطنية وعشائرية بارزة، بهدف التصدي للمشاريع الانفصالية والتقسيمية». وفي مقابل تخوين بعض الزعامات العشائرية لِمَن حضر «ملتقى عين عيسى»، يرفض القيادي العربي المستقيل عن «المجلس التشريعي» التابع لـ«الإدارة الذاتية»، أكرم المحشوش، هذه المقاربة، ويعتبر أن «الجميع متفق على أن وحدة سوريا خط أحمر لا يمكن المساس به». ويرى المحشوش أن «المطلوب من كل الأطراف عدم تهميش العشائر، والنظر إلى مظالمها... لحين إيجاد حل سياسي للمنطقة».