الخرطوم | في حين يترقب الشارع والمعارضة في السودان ردّ «المجلس العسكري الانتقالي»، اليوم الاثنين، على الوثيقة الدستورية التي قدمتها قوى «إعلان الحرية والتغيير»، الممثلة للحراك الشعبي، في شأن رؤيتها للمرحلة الانتقالية، يُلقي تباين مواقف أقطاب التحالف المعارض، وغياب التنسيق في ما بينهم، بظلاله على المشهد في البلاد، وخصوصاً أن تلك الخلافات الظاهرة للعلن تسمح لـ«المجلس العسكري» باستغلالها في ردّه على الوثيقة وتبرير رفضه إياها، بغية إظهار عدم تمثيل التحالف المعارض للحراك الشعبي، وهو ما يسعى إليه منذ بداية المفاوضات، حين رفض الاعتراف بقوى «الحرية والتغيير» كممثلة للحراك، وتعمّد التواصل مع بعضها فقط لإحداث شرخ في ما بينها، ولجأ إلى توسيع دائرة المفاوضات باتصالات مع قوى سياسية أخرى (بعضها كان مشاركاً في النظام البائد)، قبل أن يعود قادة المعارضة إلى الضغط بالشارع لإثبات موقعهم من الحراك الشعبي، وإجبار «العسكري» على التفاوض معهم حصراً.

ولقطع الطريق أمام محاولات المجلس الحاكم استغلال خلافات المعارضة، عقدت قوى «الحرية والتغيير» أمس «اجتماعات مكثفة لتجاوز هذا الخلاف، وتقريب وجهات النظر حول القضايا المختلفة»، كما كشف القيادي في «الحزب الشيوعي»، صديق يوسف، في حديث إلى «الأخبار»، مُقِرّاً بوجود الاختلافات، عازياً إياها إلى «(استفراد) القوى الكبيرة التي يضمّها هذا التحالف، وطريقة التعبير التي تختلف من شخص إلى آخر». من جهته، حذر نائب رئيس حزب «الأمة القومي»، الفريق صديق إسماعيل، في حديث إلى «الأخبار»، من أي تصعيد بين مكونات قوى «الحرية والتغيير»، ولا سيما «في ظلّ وجود مشروع الانقلاب المضاد»، موضحاً أنه «إذا تباعدت المواقف، فسنفتح ثغرة لصناع الانقلاب الجديد»، مشدداً على «ضرورة التوافق بين مكونات هذا الجسم» المعارض. ولفت إسماعيل إلى أن الوثيقة الدستورية التي قُدّمت باسم قوى «الحرية والتغيير» لم تتم استشارة حزبه فيها، وأن «قرار قطع التواصل والحوار مع المجلس العسكري، الذي اتخذ قبل ذلك، لم يُستشر فيه حزب الأمة القومي»، مضيفاً إن «مثل هذه التصرفات تُلقي بظلالها على العلاقة بين الأحزاب المكونة لقوى الحرية والتغيير».

لا يزال التباين بين قوى التحالف المعارض خارج إطار «إعلان الحرية والتغيير»


ويبدو التباين في المواقف بين اتجاهين، الأول تمثله «قوى الإجماع الوطني» بزعامة «الحزب الشيوعي السوداني» إلى جانب «تجمع المهنيين السودانيين»، والتي تعتبر «المجلس العسكري» غير شرعي، وترى أن الصراع الدائر إنما هو «بين قوى الثورة والثورة المضادة»، في إشارة إلى السعودية والإمارات اللتين تلقيان بثقلهما خلف العسكر المكونين للمجلس، وهم عشرة أعضاء جميعهم مقربون من البلدين، ولا سيما رئيسه عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو، الملقب «حمديتي»، مهندسا مشاركة القوات السودانية في حرب اليمن. أما الاتجاه الثاني، فيمثله حزب «الأمة القومي» بزعامة الصادق المهدي، و«المؤتمر السوداني»، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان/ قطاع الشمال»، وهؤلاء يتجهون تارة إلى الاعتراف بشرعية «العسكري»، على رغم أنهم يطالبون بسلطة مدنية، كما جدد التأكيد على ذلك المهدي في مقابلة صحافية، وتارة أخرى يرون أن «المفاوضات كان يجب أن تبدأ بمناقشة صلاحيات المجلس السيادي قبل التمثيل» مثلما قال الأخير أيضاً في مقابلة تلفزيونية قبل أيام.
إذاً، التباين في المواقف بين قوى التحالف المعارض يبدو حتى الآن خارج إطار «إعلان الحرية والتغيير» الذي وقّعت عليه تلك القوى مجتمعة، بل هو حول بعض جوانب الوثيقة الدستورية وعدم استشارة بعض الأطراف في التحالف فيها أو التنسيق معهم في شأنها، الأمر الذي اعتبره المهدي «نوعاً من الاختطاف» للحراك الشعبي. وبحسب معلومات «الأخبار»، قُدمت الوثيقة من قِبَل «قوى الإجماع الوطني»، وهي جزء من «الحرية والتغيير»، وتحديداً من قِبَل العضو ساطع الحاج، القيادي في «الحزب الناصري السوداني»، وهو رجل قانوني. لكن حزب «الأمة القومي» اتجه إلى مغازلة العسكر، ودعم وثيقة قدمها وسطاء تقتضي تشكيل مجلسين انتقاليين، أحدهما يترأسه المدنيون والآخر يترأسه الجيش، رغم رفض «الشيوعي» هذه الوساطة.
عملياً، لا تبدو الوساطة ناجحة في تقريب وجهات النظر، كما لا تبدو الوثيقة الدستورية خطوة متقدمة في المفاوضات مع «المجلس العسكري»، الذي أكد أن «هناك ما نتفق عليه في ما جاء في الوثيقة، وهناك ما نختلف عليه»، كما أعلن المتحدث باسمه، شمس الدين الكباشي، أمس، مشيراً إلى أن الرد سيكون مكتوباً وسيعرض للرأي العام. وكان متوقعاً عدم موافقة «العسكري» على بنود وآليات أي وثيقة من شأنها استبعاد «العسكر» من دور فاعل في السلطة السياسية، في حين يسعى هو إلى استبقاء الوصاية الخارجية السعودية ــــ الإماراتية على المرحلة الانتقالية. إذ لا تقدم له وثيقة «الحرية والتغيير» سوى شراكة محدودة في «المجلس السيادي» الأعلى في هرم السلطة، والذي تعود إليه ممارسة سلطات رأس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
وكون الطرفين يتفقان على تشكيل «السيادي» بالشراكة، وكون الوثيقة أيضاً تركت الباب مفتوحاً للاتفاق على آلياته (عدد الأعضاء ونسب كل طرف)، محددةً صلاحياته فقط، يبدو أن تحفظات «العسكري» ستنحصر اليوم في بنود وآليات مجلسي الوزراء والنواب الانتقاليين، واللذين تركت الوثيقة صلاحيات تشكيلهما وتعيين أعضائهما بيد قوى «الحرية والتغيير»، بما يجعل السلطة المدنية بيد قادة المعارضة حصراً، على الأقل طوال الفترة الانتقالية المقترحة بأربع سنوات.