الجزائر | للجمعة الحادية عشرة على التوالي، خرج الجزائريون في مسيرات حاشدة في كل المحافظات، تعبيراً عن تمسكهم بمطلب رحيل «العصابة»، التسمية التي تُطلق على رموز النظام السابق. وجدد المتظاهرون دعوتهم إلى رحيل رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، والوزير الأول المختفي من الساحة نور الدين بدوي، رافضين تماماً إشرافهما على الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 4 تموز/ يوليو المقبل. لكن اللافت في مسيرات أمس، هو الانقسام حول الموقف من قيادة الجيش. ولعلّ من أبرز اللافتات التي رُفعت في كثير من الولايات، في هذا الإطار، هي التي حملت كلمات: «الجيش لا نؤيده ببلاهة ولا نعارضه بسفاهة، واجبنا مرافقته بنزاهة والسير معه بنباهة». وهي عبارة تجلّي حالة الشك في موقف قيادة الجيش، شأنها شأن لافتات وشعارات كثيرة، راوحت بين الحرص على قوة المؤسسة العسكرية ووحدتها باعتبارها المؤسسة الوحيدة الباقية، وبين رفض بعض خيارات الفريق أحمد قايد صالح غير المنسجمة مع مطالب الحراك. لكن كثيراً من المتظاهرين بدا أنهم تجاوزوا حالة الشك هذه، وأصبحوا يطالبون صراحةً برحيل قايد صالح، عادّين موقفه تلاعباً بالحراك الشعبي، وهو ما لم يكن مطروحاً البتة في الأسابيع الأولى للحراك، التي أظهرت تمتّع رئيس أركان الجيش بشعبية كبيرة، خصوصاً بعد إسهامه في تنحية الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، عبر دعوته إلى تفعيل المادة الدستورية التي تؤدي إلى عزله، وهو ما شكّل ضغطاً على الرئيس دَفَعه إلى الاستسلام والاستقالة في 2 نيسان/ أبريل الماضي. لكن الأمور لم تتطور، مع رحيل بوتفليقة، في اتجاه تلبية ما يريده الحراك، الذي رفع بعد ذلك مطلب رحيل «الباءات الثلاثة» (رئيس الدولة والوزير الأول ورئيس المجلس الدستوري)، وهو ما كان يقابله رئيس أركان الجيش في كل مرة بخطابات فضفاضة، يعلن فيها مرة أنه منفتح على كل الاقتراحات، ثم يعود مرة أخرى ليعلن دعمه الضمني للرئيس المؤقت وحكومته، وينتقد بشدة المعارضة التي لا تتجاوب مع دعواتهم للحوار. ومع الوقت، بدأ يتسرب شعور إلى المتظاهرين في الشارع بأن المؤسسة العسكرية ترفض أي حلّ سياسي يتيح الذهاب إلى مرحلة انتقالية تُوضَع فيها القوانين والآليات لانتخاب رئيس جمهورية، وبأنها تؤيد إجراء انتخابات رئاسية بعد شهرين بإشراف رموز النظام السابق، الأمر الذي سيؤدي حتماً ـــ وفق قراءات كثيرة ـــ إلى فوز مرشح السلطة، ما يعني الانقلاب على الحراك الشعبي الذي يناضل من أجل تغيير النظام.
يبدو أن الحوار الذي تبحث عنه المعارضة مع المؤسسة العسكرية صعب المنال


وعلى رغم وجود تراجع طفيف في أعداد المتظاهرين، إلا أن استمرار الزخم الميداني بفعل تواصل التعبئة يشير إلى إمكانية تغيير المؤسسة العسكرية لموقفها في أي لحظة، بالنظر إلى موازين القوى التي تميل بوضوح إلى الشارع ومطالبه. ذلك أن الجيش، مع رمزيته العالية لدى الجزائريين، يبقى غير قادر على فرض خيارات «انتحارية»، كالذهاب في اتجاه انتخابات رئاسية قد تؤدي إلى التصادم مع الشارع. وقد أثبتت تجربة الحراك القصيرة أن قيادة الجيش تحاول في كل مرة اختبار الأوضاع، ولا تتردد في الانقلاب على مواقفها كلما اقتضت الضرورة. ففي البداية، كان أحمد قايد صالح ماضياً بنحو واضح في مشروع الولاية الخامسة للرئيس السابق، ووصف المتظاهرين بـ«المُغرَّر بهم»، ثم سحب هذا الوصف وتماهى تماماً مع مطالبتهم برحيل بوتفليقة.
وعلى هذا الأساس، يُمكن فهم مواقف الكثير من أحزاب المعارضة، التي تبقى حذرة إزاء مواقف الجيش، وترفض تماماً انتقادها، تحسباً لتغيرها في أي لحظة باتجاه الانحياز إلى ما يريده المتظاهرون. ويؤشر على ذلك بوضوح موقف علي بن فليس، وهو أبرز منافسي الرئيس السابق، والذي يُحاول بنحو ناعم دفع المؤسسة العسكرية إلى الابتعاد عن «راديكاليتها» في رفض أي حلّ سياسي للأزمة. إذ قال بن فليس، في تعليقه على خطاب رئيس الأركان الأخير الذي وردت فيه كلمة «الحوار»، إن «الانسداد الحالي واضح المعالم والأركان، وهو نتاج تعارض عميق وتباعد صريح بين مسار مبني على أساس تطبيق حرفي وحصري للمادة 102 من الدستور (الرئاسيات التي يدفع نحوها الجيش)، والمطالب المشروعة المُعبَّر عنها من طرف الثورة الديمقراطية السلمية التي يعيشها البلد». وبيّن بن فليس، من وجهة نظره، شروط «الحوار الناجع» الذي لا يكون مع رموز النظام السابق في الرئاسة والحكومة، معتبراً أن «أي حوار هادف وواعد وموجه نحو البحث عن حل فعلي وسريع للأزمة، ينبغي أن يتخذ موضوعاً محورياً وعلّة وجود سدّ هذا التعارض والتباعد (الحل الدستوري الحصري والمطالب الشعبية). وعليه، فإن حواراً بهذه الميزات والمواصفات يقتضي مخاطبين ذوي صدقية وثقة، كما يتطلب وضع أطره الدقيقة، ورسم أهدافه المتوخاة، وتشخيصها بكل وضوح». غير أن هذا الحوار الذي تبحث عنه المعارضة مع المؤسسة العسكرية باعتبارها صاحبة السلطة الفعلية، يبدو صعب المنال، في ظلّ عدم تجاوب قيادة الجيش مع كل الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي تصلها من شخصيات في المعارضة. ويضع الفريق قايد صالح مهمة إجراء الحوار على عاتق المؤسسات المدنية الحالية (الرئاسة والحكومة)، وهو ما ترفضه في المقابل المعارضة، ما يرجّح تواصل حالة الانسداد لأسابيع مقبلة.