قالت قوى «إعلان الحرية والتغيير» كلمتها في شأن المرحلة الانتقالية، بوثيقة دستورية تقوم على نقل السلطة إليها باعتبارها القيادة التي تمثل الحراك الشعبي، تاركة الباب مفتوحاً للاتفاق على «شراكة» محدودة مع العسكر في «المجلس السيادي». وعلى ضوء رد المجلس العسكري المرتقب، سيتضح ما إذا كانت الوثيقة قد فتحت طريق التفاوض مجدداً، أم مثّلت حجر عثرة إضافياً.

على وقع مسيرة «مليونية السلطة المدنية»، قدمت قوى «إعلان الحرية والتغيير» رؤيتها للمرحلة الانتقالية، بعد تعثر المفاوضات مع «المجلس العسكري» وعقمها إلا من اتفاق على تشكيل «مجلس سيادي» من العسكريين والمدنيين. وفي محاولة للضغط بالشارع، سلّم وفد «الحرية والتغيير»، أعضاء «العسكري»، أمس، وثيقة دستورية، تدعو إلى معادلة جديدة قوامها إزاحة «العسكري» ذي العلاقات الخارجية المشبوهة، وصاحب القرارات التي تخدم السعودية والإمارات، ولا سيما إعلان استمرار المشاركة في حرب اليمن. كما تنهي الوثيقة مرحلة النظام الرئاسي البائد؛ فهي توقف العمل بدستور عام 2005، وتعلن السودان «جمهورية مدنية ديموقراطية تكون فيها السيادة للشعب». وفي سبيل ذلك، توزع الوثيقة السلطة على ثلاثة مستويات في الفترة الانتقالية المحددة بأربع سنوات: «مجلس رئاسي مدني» يضطلع بالمهمات السيادية، و«مجلس تشريعي مدني»، و«مجلس وزراء مدني مصغر» من الكفاءات الوطنية لأداء المهمات التنفيذية.
لا شك في أن الوثيقة الدستورية كسرت حالة الجمود في المفاوضات، ونقلتها إلى مرحلة متقدمة في الحوار مع «العسكري»، لكنها تجاوزت أهم النقاط العالقة في شأن «المجلس السيادي» المتفق على تشكيله بالشراكة بين الطرفين. فهي لم تُبيّن سوى كيفية إصدار قراراته والتصويت في داخله، حيث نصّت على أن «القرارات تصدر بأغلبية ثلثَي الأعضاء»، لكنها لم تحدد عدد الأعضاء أو نسب التمثيل والرئاسة، وهي نقاط الخلاف التي أوصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. إذ أصرّ «العسكري»، حينها، على أن يتكون المجلس من عشرة أعضاء، سبعةٌ منهم له وثلاثةٌ مدنيون، بينما أصرت قوى «الحرية والتغيير» على أن يتكون من 15 عضواً، ثمانية منها وسبعة من العسكريين، في محاولة من كل طرف للاستحواذ على قرار المجلس، الذي تعود إليه ــــ بحسب الوثيقة الدستورية ــــ صلاحيات مهمة، من بينها ممارسة سلطات رأس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، واعتماد وتعيين مجلس القضاء الأعلى وسفراء البلد في الخارج، وقبول اعتماد السفراء الأجانب، وإعلان الحرب، والتصديق على القوانين الصادرة من المجلس التشريعي، وتعيين حكام الأقاليم.
وفي حين تركت الوثيقة الباب مفتوحاً أمام اتفاق مرضٍ لـ«العسكري» حول «المجلس السيادي»، حصرت تأسيس «مجلس الوزراء الانتقالي» و«المجلس التشريعي الانتقالي» بيد قوى «إعلان الحرية والتغيير»، التي لها أن تختار رئيس الوزراء ونائبه والوزراء الذين لا يتجاوز عددهم 17 وزيراً، على أن تكون لمجلس الوزراء صلاحيات كبرى من سبيل إعلان حالة الطوارئ، وابتدار القوانين، ووضع السياسة العامة للدولة. كما أن لقوى «الحرية والتغيير» تحديد أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي المكون من 120 إلى 150 عضواً بالتوافق في ما بينها، على أن يُراعى في عضويته تمثيل القوى المشاركة في التحالف المعارض، وأن لا يقلّ تمثيل المرأة عن 40 بالمئة فيه. وبحسب الوثيقة، لا يجوز حلّ هذا المجلس، وهو يمارس سنّ التشريعات والقوانين ومراقبة أداء السلطة التنفيذية وترشيح رئيس الوزراء في حالة حلّ الحكومة.

في حال موافقة «العسكري» على الوثيقة تنحصر المفاوضات بالمجلس السيادي


ما سبق يعني أن السلطة، بناءً على الوثيقة الدستورية، ستكون بيد المدنيين، وبالتحديد قوى «إعلان الحرية والتغيير» التي تقود الحراك الشعبي، ما عدا بعض الصلاحيات، كتلك المنوطة بـ«المجلس السيادي». وفي حين أحال «المجلس العسكري» الوثيقة إلى «مطبخ القرار لدراستها والرد عليها» دون تحديد سقف زمني، أوضحت قوى «الحرية والتغيير» أنها «قابلة للتفاوض في بعض جوانبها». وإذا وافق الأول على بنودها، تنتقل المفاوضات إلى مرحلة الاتفاق على تشكيلة المجلس السيادي ورئاسته. أما في حال رفض اقتصار «الشراكة» على «السيادي» الذي يبدو محدود الصلاحيات، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن أي دور سياسي في المرحلة الانتقالية، فيعني ذلك أن قرار «إعلان الحرب» الذي تركته الوثيقة لـ«المجلس السيادي» لا يلبّي متطلبات الوصاية الخارجية لدول باتت تتعامل مع المجلس على أنه السلطة الوحيدة في البلاد.
وهنا، لا شك في أن «العسكري» سيحاول إحداث شقاق في أوساط المعارضة، ولا سيما داخل تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير»، الذي يتكون من قوى ذات أيديولوجيات مختلفة، تماماً كما حاول بداية المفاوضات (قبل عشرة أيام) رفض الاعتراف بالتحالف المعارض ممثلاً شرعياً للحراك، واتجه إلى أحزاب كانت ضمن النظام البائد (تسلّم منها أكثر من 120 رؤية للمرحلة الانتقالية)، في خطوة وُصفت بـ«الحوار الوطني 2»، في إشارة إلى الحوار الذي أجراه الرئيس المخلوع عمر البشير عام 2014، وقاطعته قوى سياسية ذات ثقل، بينما شارك فيه أكثر من 100 حزب وحركة مسلحة أخرى. وما يشجع «العسكري» على هذا الخيار، بروز بوادر خلافات بين قوى «الحرية والتغيير»، منها مع «الجبهة الثورية» التي تضم حركات دارفور المسلحة («تحرير السودان»، و«العدل والمساواة»، و«الشعبية/ قطاع الشمال»)، والتي رفضت السبت الماضي «التغييب المتعمد» لها عن المفاوضات، علماً بأنها تنضوي داخل تحالف «نداء السودان»، الذي يضمّ أيضاً حزب «الأمة القومي»، بقيادة الصادق المهدي، والذي اتجه أخيراً إلى خطاب تهدئة مع «العسكري» في مقابلة مع قناة «العربية»، حين اعتبر أن «الجيش لا يريد أن يحكم»، وأن المفاوضات كان يجب أن تبدأ بمناقشة صلاحيات المجلس السيادي قبل التمثيل، وهو ما بدا أن وثيقة أمس سارت عليه، ما يشي بأن الاتفاق مع «العسكري» ــــ إذا تمّ ــــ سيضع قوى «الحرية والتغيير» أمام تحدي «الشراكة»، التي تفترض قدراً أكبر من توزيع الأدوار والصلاحيات، حفاظاً على تماسك المعارضة وعدم السماح باختراقها.