منذ ثماني سنوات، لم تهدأ الحرب الأميركية ـــ الغربية على المحور الإقليمي الذي تقوده طهران. لا يكاد ينتهي فصلٌ من فصولها حتى يبدأ التالي، حاملاً أدوات ضغط جديدة أثبتت جميعها إلى الآن فشلها في كسر قوى هذا المحور. على المقلب المضاد، كانت القناعة تتعزّز، مرحلة بعد مرحلة، بضرورة تمتين ترابط «الحلفاء»، و«كسر الحدود» التقليدية في ما بينهم، على طريق تطوير أساليب الدفاع والهجوم بوجه الخصوم. هذه القناعة، لم تأتِ الحملة الاقتصادية الشرسة التي تشنّها إدارة دونالد ترامب على إيران وحلفائها، والتي يبدو أنها تنوي الذهاب بها إلى أبعد حدّ ممكن، إلا لتقوّيها وتنتقل بها من الطور النظري إلى الطور التنفيذي. هكذا، على امتداد أكثر من 1200 كلم، انطلاقاً من إيران، مروراً بالعراق، وانتهاءً بسوريا، وربما لبنان في ما بعد، بدأ العمل فعلياً على مدّ خطوط سريعة تستهدف إيجاد بدائل برية من المنافذ البحرية التي يسدّها الأميركي، وتشبيك العواصم الثلاث على نحو يغدو معه صعباً على واشنطن إن لم يكن مستحيلاً فكّ اتصالها العضوي. مشروع ذو أهداف جيوسياسية وعسكرية واقتصادية، يلخّص ماهيته مصدر قيادي من قوى «محور المقاومة» بالقول: «الجبهة واحدة، ويجب أن تصبح سوقاً واحدة لكي تستمر في المواجهة، فالأدوات العسكرية فشلت، والآن دور الأدوات الاقتصادية».

مشروع الطريق البري السريع يوازيه مشروع أبعد مدىً قوامه إنشاء شبكة ربط سككي ما بين تلك الدول أيضاً. وهي شبكةٌ بقدر ما تثير قلق الإسرائيليين، وفق المتداول في وسائل إعلامهم، يمكنها اجتذاب أطراف دولية تشغلها فكرة ربط شطرَي القارة الآسيوية، وصولاً إلى أوروبا. وإذا كانت لهذه القابلية أهميتها في تحصين خطّة السكة الحديدية وتقوية فرص تنفيذها، فإن الثابت أن ثمة تهديداً أميركياً ـــ إسرائيلياً جدياً للخطتين، البرية والسككية، اللتين ترى كل من واشنطن وتل أبيب فيهما خطراً على مصالحها. خشية ستُترجم إلى محاولات عرقلة قد تتسلّل من الساحة العراقية، التي يبدو أن ثمة حرصاً فيها على عدم استثارة الولايات المتحدة، وسعياً لاسترضائها بموازنة أي خطوة تجاه طهران بأخرى مماثلة تجاه دول المحور الأميركي.