ريف دمشق | بدأ الجيش السوري، أمس، ما يمكن تسميته «المرحلةَ الثانية» من معركة بلدة يبرود (منطقة القلمون). عنوان هذه المرحلة هو عزل البلدة نهائياً عن امتدادها في لبنان، أي عرسال. وبعد السيطرة على بلدة الجراجير والمزارع المحيطة بها أمس، سيكون على الجيش طرد المسلحين من بلدة فليطا السورية (المقابلة لجرود عرسال ونحلة اللبنانيتين)، لقطع أي تواصل بين قرى وبلدات القلمون السورية، وبلدة عرسال. ويبدو جلياً، من خلال حديث المصادر الميدانية، أن الهدف الرئيسي للمعركة هو قطع طريق السيارات المفخخة من يبرود ورنكوس وعسال الورد، إلى الداخل اللبناني، عبر البلدة اللبنانية.


خطوة الجيش السوري أمس أتت بعدما نفّذ على مدى الأسبوعين الماضيين المرحلة الأولى عبر قضم مناطق القسطل ومزارع ريما الشاسعة المتاخمة ليبرود، واستهداف تلة الكويتي فيها، وهي نقطة تمركز رئيسية لمجموعات المعارضة المسلّحة. وبذلك يكون الجيش قد تمكّن من حشر المسلحين في جغرافيا البلدة الضيقة. وعلى ما تؤكّده مصادر عسكرية ميدانية لـ«الأخبار»، بدأ الجيش تنفيذ عملية العزل بحركة التفافية، عبر «السيطرة على بلدة الجراجير المجاورة» الواقعة بين يبرود وعرسال.
«الجيش اليوم على تخوم المدينة، ويستهدف تجمّعات المسلّحين في حيّي السوق الرئيسي والكورنيش في وسط البلدة»، يؤكّد المصدر الميداني لـ«الأخبار». ويضيف: «لم نستطع تحديد عدد القتلى في صفوف المسلّحين، لكن الأمر المؤكّد أن خسائرهم ضخمة».
وتشرح المصادر انطلاق العمليّة، أمس، بعد حشد قوات الجيش وقوات من الدفاع الوطني في منطقتي ريما والقسطل، أخذت تتقدّم ببطء شديد خلف الدبابات، فيما نفّذ الطيران الحربي أكثر من 10 غارات، استهدف فيها نقاطاً يعتقد أنّها «غرف عمليات للمسلّحين». ويهدف القصف الجوي المحدد إلى «إيقاع خسائر كبرى في هياكل التنظيمات المسلّحة وتوزّعها، قبل أن تبدأ عملية التوغّل في المدينة وملاحقة الفلول، التي من المفترض أن تتولاها وحدات الاقتحام في الجيش وفرق الهندسة وكشف الألغام». يتوقّع العسكريون أن تواجههم «الكثير من الأحزمة الناسفة والسيارات المفخّخة، أثناء عملية التوغّل، نظراً إلى انعدام الأفق لدى المسلّحين بأي رد جدّي وفعّال على العملية العسكرية». إلا أن المشكلة الأساسية تتمثّل في وضع المدنيين أثناء المعركة؛ فقد ألقى الطيران السوري منشورات في سماء يبرود، الاثنين الماضي، تدعو المدنيين إلى الخروج من المدينة قبل المعركة، ولم تسجّل أي حالات خروج. يقول م. يزبك، شاب من يبرود، لـ«الأخبار»: «المسلّحون كعادتهم مارسوا الترغيب والترهيب لثني الأهالي عن الخروج، فمن ناحية أشاعوا أن الجيش يُعدّ لعمليات تصفية وانتقام بحق من سيخرج من المدينة، ومن ناحية أخرى منعوا الراغبين في الخروج من المرور عبر حواجزهم، متذرّعين بحمايتهم». ويضيف يزبك أن «الخوف بات يتملّك الأهالي من اتخاذهم دروعاً بشرية»، مثلما جرى في العديد من مدن وبلدات القلمون، ومن اضطرارهم لاحقاً إلى الهرب باتجاه عرسال لينضمّوا إلى مخيمات النزوح في لبنان.
في المقابل، تحدّثت مصادر من المعارضة عن تدميرها ثلاث دبابات أمس في محيط يبرود، وعن قتل وجرح العديد من جنود الجيش.
وعلى وقع القصف المدفعي والجوي العنيف، تسري الشائعات بكثافة في القرى المجاورة ليبرود، تقول إحداها إنه جرى نقل عدد كبير من الجرحى إلى بلدة عرسال اللبنانية المجاورة، عددهم نحو 300 معظمهم من «جبهة النصرة»، عبر طريق خاص بين الجرود الممتدّة من يبرود مروراً ببلدة فليطا.
وبعد التقدم في معركة الجراجير، والسيطرة على التلال المتاخمة للحدود السورية ــ اللبنانية، ينتظر مسلحو قرية فليطا دورهم، ولا سيما بعد الحديث عن أن فكرة حسم معركة فليطا، قبل معركة يبرود، هي ما يدور في خلد القادة الميدانيين في الجيش. غير أن العقبة الأساسية، الحائلة دون إطلاق شارة البدء بمعركة فليطا، هو احتضان القرية عدداً كبيراً من المدنيين، فضلاً عن النازحين إليها جراء المعارك العسكرية. ويتحدث ناشطون ميدانيون في الريف الشمالي لمدينة دمشق، عن رمي الطائرات السورية منشورات نبَّهت المدنيين، من خلالها، إلى ضرورة مغادرة القرية. هذا الكلام يتقاطع مع ما يتناقله أهالي القرية من تخوفات، وتنبيهات كانوا قد تبلغوها من أقربائهم المطلعين على خطة المعارك هناك. وبينما أرسل مقاتلو فليطا نداءات استغاثة لعموم المسلحين في ريف دمشق، كانت «الكتائب» المقاتلة في الريف الشمالي أول من لبَّى النداء؛ حيث خرجت أحياء الريف الشمالي عن هدوئها النسبي، التي كانت قد اكتسبته بعد سير قطار التسويات فيها. فقد هاجم مسلَّحو «جيش الإسلام» في حرستا حاجز «النور»، التابع للجيش السوري والقريب من مستشفى حرستا العسكري، بالتزامن مع استهداف نقاط تمركز قوات الدفاع الوطني في ضاحية الأسد (غرب حرستا)، ما استدعى قيام الجيش بعملية تمشيط سريعة، أعاد خلالها المسلحين إلى مركز حرستا، بعيداً عن طريق دمشق ــــ حمص.