حين كان رئيس الحكومة الإسرائيلية الراحل أرييل شارون قائداً للمنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال، أصدر أوامر، من دون سابق إنذار، بطرد 3000 بدوي من مضاربهم بين منطقتي النقب وسيناء، من أجل استخدام المكان في تدريب عسكري. فكان أن قضى العشرات منهم في الصحراء برداً وجوعاً. هذا ما كشفته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، التي تحدثت عن تدريب كان مقرراً إجراؤه في حينه، تحت اسم «عوز»، وهو الأكبر من نوعه حتى ذلك الحين في الجيش الإسرائيلي، ومن بين أهم التدريبات وأكثرها كلفة.


وكانت الفكرة تتمحور حول نقل فرقة عسكرية مدرعة فوق حاجز مائي كبير، في محاكاة لعبور قناة السويس ونقل الحرب إلى الجانب المصري من أرض المعركة في حال اندلاع حرب مع القاهرة. وتقرر أن يُنفذ التدريب في منطقة «كتسيعوت» الواقعة في النقب، وأن ينتقل إلى عمق سيناء، حيث كانت المحطة الرئيسية فيه تتمثل في عبور بحيرة أُنشئت خصّيصاً في منطقة «أبو عقيلة» من خلال فتح سد هناك يطلق عليه اسم «سد الرؤيفة».
وبدأ التدريب في 20 شباط واستمر ستة أيام تحت غطاء من السرية الشديدة. ولشدة أهميته، حضره كل من رئيسة الوزراء غولدا مئير، ووزير الدفاع موشيه ديان، ورئيس الأركان دافيد اليعازر.
وكشفت الصحيفة أن ما لم يطّلع عليه هؤلاء، هو أن صاحب خطة «عوز» والمشرف عليها، الجنرال أرييل شارون، كان أمر قبل أسابيع معدودة، وفي إطار إعداد منطقة المناورة، بإخلاء 3000 شخص من أبناء قبيلتين بدويتين تقيمان في المكان حيث مضارب خيامها ومراعي أنعامها.
وحصل الإخلاء بقوة السلاح، وفي ذروة موجة صقيع قاسية، ومن دون السماح للمطرودين باصطحاب متاعهم معهم، ما أفضى إلى عشرات حالات الموت في أوساطهم، لا سيما من الأطفال والنساء والشيوخ. وقد بقيت هذه القضية مدة 42 عاماً في الزاوية المُعتمة من التاريخ العسكري الإسرائيلي، إلى أن نُشِرت تفاصيلها للمرة الأولى قبل شهر، ضمن كتاب يروي السيرة الذاتية لشارون، أعدّه المحرر الرئيس السابق في «هآرتس»، دافيد لانداو، باللغة الإنكليزية. ومن المقرر أن تصدر بالطبعة العبرية هذا العام. ويستند لانداو في كتابه إلى تقرير حرّره عام 1972 باحث ومستشرق في الثقافة البدوية يدعى إسحاق بيلي.
ويروي بيلي كيف توجه الى مقبرتين للبدو المُرحّلين، بمعونة شيخ من أبناء قبيلة الطرابين، حيث وثّق بالصور 28 قبراً صغيراً على الأقل. ويضيف أنه عند عودته الى العريش تحدث الى ضباط الإدارة العسكرية الذين أكدوا له أن البدو تم إجلاؤهم بأمر من قائد المنطقة. وبدا أن شارون كان مهتماً بأن تُستَعمل الأرض التي تم إخلاؤها لمصلحة الاستيطان.
ويلفت بيلي إلى أنه توجه الى رئيس الإدارة العسكرية آنذاك (تحول المنصب لاحقاً الى منسق أعمال الحكومة)، العميد شلومو غازيت، الذي وعده بأنه سيتحرى عن هذا الأمر. لكن بيلي يؤكد أن «شيئاً لم يحدث ولم يسمحوا للبدو بالعودة».
ويتابع أن محطته التالية كانت المراسل القديم لـ«هآرتس» في الجنوب، مردخاي ارتسيالي، الذي كان صديقاً لشارون، واختار عدم نشر القضية.
وتعقيباً على ذلك، شككت «هآرتس» في أن الرقابة العسكرية كانت ستسمح بذلك على كل حال. وتضيف الصحيفة أنه مع ذلك، أُبلِغ رئيس هيئة الأركان، دادو اليعازر، عما حدث، وبادر الى استدعاء بيلي وقرأ التقرير الذي أعده وبعدها اتصل، بحضور الأخير، بشارون الذي سأله كيف علم بذلك، فأجابه اليعازر بالإشارة الى بيلي وتقريره.
وبعد بضعة أيام تلقّى بيلي دعوة من شارون في مكتبه في قيادة المنطقة الجنوبية في بئر السبع، حيث عامله الأخير «بودّ كبير وحدثني عن مبلغ حبّه للبدو». وزعم قائلاً: «لم أعلم بما حدث لأولئك البدو». لكن بيلي يؤكد أنه علم بأن ذلك كان بناءً على أمر شارون العسكري. ثم يضيف مؤكداً أنه «تبيّن لي بعد ذلك أنه حاول أن يعيقني، وأصدر أمراً عسكرياً الى جميع قواعد الجيش في سيناء لمنعي من الدخول».
أما الآن، فتوضح الصحيفة أن عدداً من الضباط الذين كانوا يخدمون في تلك الفترة يزعمون أنهم «لا يعلمون أو لا يتذكرون الواقعة المذكورة»، كذلك فإن غازيت يؤكد أنه «كان يجب علي أن أعتني بذلك لكنني لا أتذكر».
وبخصوص ردّ فعل عائلة شارون، تجنّب نجله عمري التعليق على ذلك قائلاً: «لا أعرف ذلك، ولا أريد أن أشغل نفسي بهذا الأمر».
لكنّ «هآرتس» نقلت عن المتحدث باسم الجيش أن القضية موثقة ومعروفة لقسم التاريخ في شعبة العمليات.