دمشق | قلبت الأحداث حياة السوريين رأساً على عقب وبدّلت من عاداتهم الاجتماعية ويومياتهم العادية، وأثارت تغييرات فوضوية في العاصمة دمشق. على صعيد المواصلات والنقل العام، كثرت الممنوعات المرتبطة بالإجراءات الأمنية في محيط فروع الأمن وبعض مؤسسات الدولة. وتغيّرت مسارات الطرق كلياً في بعض المناطق، وتبعاً لذلك استبيحت أغلب قوانين المرور، فباتت مخالفات كالقيادة عكس السير على طريق مطار دمشق الدولي، مسألة شكلية وثانوية، و«مسموحاً» بها.


في بعض المناطق حلّ عقد ايجار المنزل محل بطاقة الهوية، لتتأكد الأجهزة الأمنية واللجان الشعبية من أنك غير متسلل إلى هذا الحي أو ذاك، وبالتالي يسمح لك بالمرور.
وفي بعض الأحيان يزداد التشدد، فيُطلب من المواطن أن يحمل معه فواتير الماء والكهرباء، وهي خطوة اتبعت بداية في المناطق التي شهدت إضرابات عن دفع مستحقات الفواتير.
وفي السياق نفسه، فُرضَ على حافلات النقل العام تعليق لافتات بمنع استخدام الهواتف المحمولة فيها، وخصوصاً عند الاقتراب من الحواجز الأمنية الموجودة على الطرقات. وهذا ما أثار حفيظة البعض من مدمني تطبيقات «الواتساب» و«الفايبر» ومتابعي الأخبار العاجلة على مواقع التواصل الاجتماعي. يتساءل عمار س، أحد طلاب جامعة دمشق: «هل من المنطقي أن يتم التضييق عليّ لأني أريد متابعة تفاصيل قذائف الهاون والمعارك؟». لكنه يستدرك: «بس بيبقى هون عالقليلة أحسن من مناطق التكفيريين، بمناطق داعش قال عم يقطعوا أصابع المدخنين!».


«غاب القط»... انشغلت الأرصفة

في شوارع المدينة، اتخذ الباعة الجوالون من الأرصفة أمكنة لعرض بضائعهم، على «بسطات» بدأت تتكاثر، وهو ما كان محظوراً قبل الأزمة، عندما كانت البلديات تسيِّر دورياتها لمنع البيع على أرصفة الشوارع، ومصادرة بضائع من يلقى القبض عليه من الباعة. تغييرٌ يضعه الباعة بمثابة المتنفس الذي فتح الباب أمامهم للتخلص من عبء المبالغ الطائلة التي كانوا يدفعونها رشوة في مقابل «كفّ بلاء البلديات وعناصرها»، فيما اليوم «لم تعد تولينا الدولة أهمية، فتركتنا نعمل في الطرقات، وصار الفقير يقدر يبيع ويشتري»، يقول أبو خالد، صاحب إحدى البسطات في شارع الثورة.
وعلى المنوال نفسه، سار أصحاب ورش صيانة السيارات الذين شغلوا مساحات من الأرصفة خلافاً لما كانت الأمور عليه قبل الأزمة، عندما كانت أعمال الصيانة ممنوعة خارج المدن الصناعية الكبيرة الموجودة في الريف.
وفي المظهر أيضاً، انتشرت في بعض شوارع العاصمة ظاهرة رسم العلم السوري على واجهات المحال التجارية. ولهذه الظاهرة قصتها فقد بدأت عندما أجبرت الأجهزة الأمنية أصحاب المحال التجارية، في المناطق التي خرجت فيها التظاهرات، على رسم العلم فوق واجهات متاجرهم الصغيرة، كنوعٍ من القصاص، فانتشرت الظاهرة، وأصبح لزاماً على الجميع أن يرسم. «والقصاص هنا ليس بالعلم السوري، فجميعنا نقدسه بغض النظر عن انتماءاتنا السياسية، لكنه في عبء تكاليف الطلاء الذي تحملناه وحدنا»، يروي أبو هاني، صاحب أحد المحال التجارية في السوق الكبير في منطقة كفرسوسة.


تقلبات اجتماعية على وقع الأزمة

لم يسلم الصيت الذائع لدمشق (كونها من أقدم مراكز وطرق التجارة في التاريخ البشري) من تغييرات طرأت على علاقة تجارها مع بعضهم بعضاً. فسابقاً، كان من السائد في تلك العلاقة مبدأ الائتمان، أي أن التاجر الكبير يودع لدى الأصغر بضائعه، وبعد البيع يوفّيه الأخير مستحقاته المالية. اليوم توقفت هذه الطريقة، بسبب خوف كبار التجار من عجز التاجر الأصغر عن سداد الديون. وهو ما يجعل من أصحاب المحلات الصغيرة الخاسر الأكبر من هذا التغيير.
«فقدت العلاقات التجارية في دمشق ميزاتها الفريدة. كان التاجر اللبناني والأردني والعراقي يضرب المثل بالتسهيلات التي يقدمها التاجر السوري، أما اليوم فلم تتغير أخلاق الناس، بل تغيرت ظروف البلد بأكملها، وفي النهاية وحدهم كبار التجار من استفاد»، يقول أحد التجار الدمشقيين.
أما حزم الأهل تجاه انضباط أبنائهم في الذهاب إلى المدارس والجامعات يومياً، فقد أصبح أمراً بحكم الماضي، حيث يحتكم أغلبيتهم اليوم للأمر الواقع. «صارت القصة بالعكس، بتنا نحن نعاند أهلنا للذهاب كل يوم إلى المدرسة، لأننا اختنقنا في المنازل، وهم يصرّون على تخلفنا عن دوامنا في أيام العنف الدامية»، يقول باسل اللحام، الطالب في المرحلة الثانوية. ويضيف بابتسامة عريضة: «والدي أصبح أقل تشدداً في التعامل مع السهرات التي أقيمها في المنزل مع أصحابي، لأنه يفضل ألا أخرج من المنزل كثيراً».
وبعد الأزمة، سقط العديد من الزعامات والوجوه الشعبية التي كان محط احترام وتقدير اجتماعيين سابقاً، ابتداءً بالمختار الذي كُسرت سلطته الاجتماعية، في كثيرٍ من الحالات، بناءً على موقفه السياسي الذي لن يتوافق، بطبيعة الأحوال، مع موقف كل أبناء منطقته. وليس انتهاءً بالشيخ والأستاذ والفنان... يروي دمشقيون كيف «كان شرطي المرور يشكِّل رعباً وهاجساً عند السائق... كل سائق. أما اليوم فقد أصبح الشرطي نفسه يشيح بوجهه عن المخالفة التي تحصل أمام عينيه، خوفاً من أن تكون آخر مخالفة يحررها».




«إجت الحزينة لتفرح...»

كانت الأعراس الدمشقية، في السابق، تزخر بطقوس الفرح وإظهار البذخ، كاستجلاب فرق «العراضة الشامية» أو مجموعات الإنشاد الديني، أو حتى حجز الصالات الفخمة للسهر. وكانت الأعراس تستمر إلى ما بعد منتصف الليل، وغالباً ما كانت «الصورة الأبهى لحفل الزفاف» هي احد شروط أهل العروس. فيما بات المحتفلون اليوم يقتصرون على ساعات قليلة في فترة ما بعد الظهر، ولم تعد مظاهر البذخ ملاحظة بشكلٍ ملموس، «فمنذ زمن لم نشاهد في المدينة مواكب الأعراس التي كانت تطلق العنان لأبواق سياراتها آخر الليل». وحتى الشروط والتعقيدات لدى غالبية الأهل أخذت تقلّ أكثر فأكثر «تفهماً للوضع الاستثنائي الذي يمر فيه البلد». والأتراح ليست أفضل حالاً، فقد توقفت صلوات الجنازة في عدد من المساجد، وأصبح التشييع مقتصراً على الأهل والمقربين جداً من الميت، خوفاً من التجمعات التي يسهل استهدافها بالقذائف التي تمطر العاصمة يومياً. فيما اختزلت مراسم العزاء بيومين أو ثلاثة كحدٍ أقصى، ومن أذان العصر إلى المغرب فقط.