تونس | لم يستوعب الشارع التونسي إعلان الحكومة التونسية المفاجئ رفع أسعار المحروقات مساء السبت الماضي، بنسب راوحت بين 5 و10 بالمئة، رغم استبعاد وزير الصناعة، سليم الفرياني، قبل أيام، إمكانية اتخاذ إجراء مماثل. فلم يمضِ وقت طويل على القرار، حتى برزت ردود الفعل في مواقع التواصل الاجتماعي، في موجة رفضٍ تضمنت دعوات إلى تنظيم احتجاجات في شكل مستوحى من حركة «السترات الصفر» في فرنسا، أي عبر غلق تقاطعات الطرق بالسيارات.

وبعدما أحدثت تلك الدعوات تفاعلاً على نطاق ضيق أول من أمس، عادت أمس لتكتسب زخماً أكبر يُنذر باستمرارية قد توصلها إلى العاصمة. صباحاً، تجمع عشرات من سائقي الشاحنات الثقيلة في مدينة قرمبالية التابعة لولاية نابل، وأغلقوا لأكثر من ساعة مدخل أحد أهم الطرقات السيارة في البلاد. بموازاة ذلك، أغلق محتجون طرقات مهمة في مناطق مختلفة لفترات متفاوتة. لكن لا يبدو أن الأمر سينتهي عند هذا الحدّ؛ إذ أصدرت «الغرفة النقابية للتاكسي الفردي والجماعي والأجرة وسيارات التكوين» في محافظة سوسة (الساحل) بياناً، أمس، دعت فيه أعضاءها إلى تنظيم وقفات احتجاجية اليوم أمام المقارّ السيادية، وفي مفترقات الطرق، ابتداءً من الساعة السابعة صباحاً حتى منتصف النهار. وأعلنت «الجامعة الوطنية للنقل»، التي تشمل «الغرفة النقابية»، تنظيم تحركات مستقبلية على مستوى وطني، تنطلق يوم الاثنين المقبل بوقفة احتجاجية في الطرقات تمتدّ لنصف يوم، تليها يوم الأربعاء وقفة ليوم كامل، وتُتوّج بمسيرة جماعية نحو العاصمة يوم الخميس، تشمل قطاعات النقل العمومي غير المنتظم كافة. وتتبع هذه الجامعة لـ«الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة»، الذي يُعرف أكثر باسم «منظمة الأعراف»، التي أصدرت، أول من أمس، بياناً اعتبرت فيه أن رفع أسعار المحروقات «يمثل ضربة جديدة للصناعة التونسية»، وأكدت أنها «ستكون لها تداعيات خطيرة على تنافسية المؤسسات وديمومتها، وعلى القطاع الصناعي، وسط تجاهلٍ لما يكابده أصحاب المؤسسات من مصاعب وارتفاع كبير في الكلفة». ويشير ذلك، خاصة، إلى «المهنيين في قطاع نقل الأشخاص والبضائع... الذين أصبحوا غير قادرين على تغطية مصاريفهم والوفاء بالتزاماتهم».

حاولت الحكومة تبرير رفع السعر، لكنها كشفت أنه إجراء من ثلاثة مقبلة مماثلة


من جهته، ندد «الاتحاد العام التونسي للشغل»، أكبر نقابات العمال في البلاد، بالإجراء الحكومي. واعتبر في بيان، أمس، أن رفع الأسعار «شكلٌ مقنّع للتحايل على الأُجَراء، وسلب الزيادات في الأجور الأخيرة»، التي جرى التوصل إليها بعد مفاوضات شاقة، تخلّلها إضراب عام في الوظيفة العمومية، قبل أقل من شهرين. واعتبر «الاتحاد» أن رفع أسعار المحروقات يضاف إلى إجراء مماثل اتخذته الحكومة في شباط/ فبراير الماضي، وهو الترفيع في نسبة الفائدة المديرية للمصارف، الذي سيرفع من كلفة الديون التي تعتمد عليها شرائح مجتمعية واسعة. وبناءً على ذلك، اعتبر أن الأمر يصبّ في خانة تحميل الحكومة «التونسيين والتونسيات أعباء فشل سياساتها الاقتصادية والمالية»، مؤكداً مساندته الاحتجاج الشعبي بكل الأشكال السلمية.
أما «الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري»، فقد كان أول المتفاعلين مع الترفيع، إذ أصدر بياناً السبت الماضي اعتبر فيه أن «أي ترفيع (لأسعار المحروقات) سيزيد في الكلفة، وسيساهم في تفاقم خسائر الفلاحين والبحارة»، ودعا إلى «الترفيع في نسبة دعم المحروقات في قطاع الفلاحة والصيد البحري»، وكذلك «مراجعة الأسعار المرجعية لعديد المنتجات (المدعمة من الدولة)، على غرار الحبوب والألبان والدواجن»، معلناً احتفاظه بحقّه في «التحرك وتوخي كل الأشكال النضالية المشروعة احتجاجاً على هذه الزيادة».
للأحزاب أيضاً نصيب في الاستنكار، إذ أصدر «حزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد»، وهو جزء من التكتل اليساري المُسمّى «الجبهة الشعبية»، بياناً عبّر فيه عن «مساندته كل التحركات الشعبية ضد هذا الإجراء الخطير». وشاطر «الحزب الجمهوري» في بيانه هذا التوجه، واعتبر أن الحكومة فشلت في «تشغيل محركات التنمية والنمو الاقتصادي».
من ناحيتها، حاولت الحكومة تبرير إجرائها، بقول رئيسها، يوسف الشاهد، إنه لم «يتخذ قرار الترفيع عن طيب خاطر، بل اضطررنا إلى ذلك»، مدرجاً الأمر في إطار «آلية التعديل الدوري» للأسعار، التي انطلقت عام 2016. لكن وزير الصناعة، سليم الفرياني، كشف في تصريحات إعلامية، أن قانون المالية لهذا العام يشمل 4 زيادات، أي إن الترفيع مستمر لثلاث مرات أخرى، مُبيناً أن الأمر لا يرتبط فقط بالسعر العالمي للنفط (وهي حجة يستخدمها المعارضون لرفض القرار)، بل يستند كذلك إلى سعر الصرف، حيث يستمر الدينار التونسي في التراجع أمام أهم العملات. وعلاوة على ما تقدم، قال الفرياني إنه تم الدخول في مرحلة «الرفع التدريجي للدعم عن بعض المواد الأساسية»، تماشياً مع تعهدات تونس للمانحين الدوليين، ولا سيما «صندوق النقد الدولي» الذي يمنح تونس تدريجاً أقساط قرض يبلغ 2.9 مليار دولار، انطلق عام 2016، ويستمر إلى غاية العام المقبل.