تونس | الأزهار في كل مكان. الحدائق والشوارع العامة في أجمل حلة. حتى الأشجار تنبتُ بين ليلة وضحاها. مرحباً بك، أنت لست في كوكب اليابان، أنت في تونس، زمن احتضانها القمة العربية، وانتظار قدوم الوفود الرسمية العربية، للمشاركة في فعاليات القمة العربية في دورتها الثلاثين.


قمة خاصة بالمجتمع المدني
حملت هذه القمة الموازية شعار «قمة المجتمع المدني من أجل الحرية والكرامة والمساواة للشعوب العربية»، وانعقدت يوم الأحد الماضي، في مقر النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين. وتوجهت برسالة مفتوحة تحمل جملة من المطالب إلى القادة العرب، أهمها: «مشاركة واسعة وفعالة لمنظمات المجتمع المدني في مختلف مجالات الحياة، وفي صنع القرار، ووقف القيود السياسية والقانونية المفروضة على المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، إلى جانب وقف جميع أشكال انتهاكات الحقوق الفردية والجماعية، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب». كما تمت الدعوة أيضاً، في وثيقة وقّعت عليها أكثر من خمسين منظمة وطنية وعربية ودولية، حملت اسم «بيان الكرامة»، إلى «الإسراع في إنشاء منظومة حقوق إنسان إقليمية فاعلة، وتأسيس هياكل متابعة فاعلة، تعتمد مبادئ كونية حقوق الإنسان وشموليتها وعدم تجزئتها».

قمة العرب... تحت وطأة السخرية
شارع الحبيب بورقيبة، أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة التونسية، فيه أكثر من مركز سيادة (وزارات، لا سيما وزارة الداخلية)، وله رمزية تاريخية، لكونه شهد التظاهرة الحاشدة التي فرّ على إثرها الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. هذا الشارع نفسه شهد الأحد تظاهرة خرجت فيها الجمعيات، التي وقّعت «بيان الكرامة للشعوب العربية». وأمام وجود كثيف لقوات الأمن والسواتر الحديدية، وفي بهتة من الجميع، انطلقت مجموعة من «المهرّجين»، كان أحد أفرادها يرتدي لباس أمير أو ملك خليجي رسم على وجهه علامة دولارات، في إشارة إلى أموال البترودولار وسياسة محفظة الأموال، فيما قدم آخرون عرضاً صامتاً يسخر من القمة العربية، ويوجه رسالة دعم إلى كل الشعوب العربية، تعبر عن شباب الثورة في تونس. فمن هم هؤلاء المهرّجون؟ وما هي المبادئ التى يحملونها؟

آلية احتجاج مبتكرة
إن أكثر ما قد يوجع النظام هو تحوله إلى مادة للسخرية. لم يعتد الفضاء الاحتجاجي التونسي والعربي عموماً شخصية المهرج المحتج، الذي يحمل رسائل سياسية ونقدية ساخرة ضد كل أوجه السلطة والقمع، وينحاز إلى حرية الشعوب والقضايا العادلة.
هذه المرة، وسط تظاهرة المجتمع المدني، الداعي إلى الحرية والكرامة للشعوب العربية كافة، وُضعت الأنظمة الرسمية تحت سياط السخرية، وكأن رسومات ناجي العلي، رسام الكاريكاتير الشهير، تتحول إلى مسرحية تتجسد في شخصيات حقيقية، هم هذه المجموعة من المهرجين الملتزمين، الذين جلّوا في عرضهم الصامت ممارسات الأنظمة الرسمية القمعية، ووضعية حقوق الإنسان والمحاكمات الجائرة التي تعرض لها فنانون وصحافيون وناشطون في عدد من الأقطار العربية.
وعقب ذلك العرض، التحقت المجموعة بالتظاهرة، حاملة شعارات تندد بقصف اليمن، وسكوت الأنظمة العربية، بل وتواطئها على ذلك. في التظاهرة أيضاً لم يتكلم المهرّجون، ربما كان لسان حالهم يقول: أيها القادة والحكام العرب، بعضاً من الصمت، ويكفيكُم كذباً على الشعوب.

فلسطين: قضية كل تحرك
صحيح أن آلية الاحتجاج مبتكرة وجديدة حدّ الغرابة، إلا أن مجموعة المهرجين الملتزمين حملت العلم الفلسطيني، وشعارات مساندة للقضية، وللمقاومة، كسبيل وحيد للتحرر والانعتاق. وحمل أحد أعضائها شعاراً للشهيد باسل الأعرج حول المثقف المشتبك. وهنا، وبما أن المجموعة تختار عدم الإدلاء بالتصريحات الصحافية، وتحافظ على سرية أسماء «المُهرجين»، فإن حملها للشعارات يعبّر عن توجهها السياسي وثقافتها، التي تعتبر النضال الفني نوعاً من الاشتباك والتجديد في أشكال التحشيد والتوعية للتونسيين. ربما كان الفن الملتزم أحد أكثر الأشكال الصادقة في التعبير عن إرادة الشعوب، وهذا ما عبرت عنه مجموعة المهرجين الملتزمين خلال اجتماع القمة العربية الثلاثين في تونس.