في محصلة مفاوضات ماراتونية اشتدّت فيها حدّة السباق بين التهدئة والتصعيد، وبدا خلالها الجانب المصري أكثر ميلاً لإسرائيل، أُعلن أمس عن التوصل إلى اتفاق تهدئة بين المقاومة والاحتلال، يظلّ نجاحه مرهوناً بالتزام تل أبيب بتطبيق التزاماتها. وفي انتظار ما ستحمله الساعات والأيام المقبلة، يمكن القول إن الفصائل نجحت نظرياً في الحصول على مطالبها، مستفيدة من الحاجة الملحّة للقيادة الإسرائيلية إلى تهدئة ولو مؤقتة.

بعد مفاوضات استمرت لأيام عدة، تنقّل خلالها الوفد الأمني المصري بين تل أبيب وقطاع غزة، أعلنت قيادة المقاومة، أمس، موافقتها على إبعاد المتظاهرين المشاركين في مسيرة «مليونية العودة» اليوم لـ 300 متر عن السياج الحدودي، ووقف «الأعمال الخشنة»، وذلك بعد قبول العدو تخفيف الحصار عن القطاع. وقال رئيس المكتب السياسي لـ«حركة المقاومة الإسلامية ــــ حماس»، إسماعيل هنية، إن «الحركة تعمل بوساطة مصرية للتوصل إلى تفاهمات جدية لحل الأزمة الإنسانية في غزة»، موضحاً أن التفاهمات تشمل «وقف العدوان، إدخال المساعدات الإنسانية، تنفيذ المشاريع وفتح المعابر»، مضيفاً «(إننا) أمام فحص جاد لمواقف الاحتلال وردوده على مطالب الشعب، وفي ضوء ذلك سيتم تحديد المسار الذي ستكون الأوضاع عليه في الساعات القادمة». وأكد «(أننا) مستعدون لكل السيناريوات وكل البدائل، ولن نتردد في اتخاذ القرار الذي يحقق مصالح شعبنا»، في حين جزم الناطق باسم «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي»، أبو حمزة، بأن «الشعب الفلسطيني اتخذ قراراً واضحاً بإنهاء الحصار الظالم على غزة، ولن تثنيه عن ذلك كل الإجراءات التي يقوم بها العدو»، محذراً من أن «الإيغال في الدم الفلسطيني وقتل المدنيين، لن يجلب له سوى الحرب».

أُشبعت وسائل الإعلام العبري بصور عن انتشار الوحدات على السياج الحدودي


من جهته، أعلن عضو المكتب السياسي لـ«حماس»، خليل الحية، أنه «مع بداية الأسبوع المقبل، سيتم وضع جداول زمنية لتطبيق التفاهمات مع الاحتلال برعاية مصرية». ووفقاً للمعلومات، فإن ما تم الاتفاق على تنفيذه هو تفاهمات 2014 نفسها، إضافة إلى «وقف العدوان الإسرائيلي في السجون، ووقف الاعتداءات في الضفة الغربية». كذلك، وافق العدو على إدخال الأموال إلى قطاع غزة، وبناءً عليه «تدفع قطر مبلغ 30 مليون دولار شهرياً، موزعة على العائلات الفقيرة، وبرامج تشغيل العمّال، وقطاع الصحة، وستدفع أيضاً ثمن السولار (لمحطة توليد الكهرباء في غزة) حتى نهاية 2019، إضافة إلى دفع نفقات خط كهرباء 161» الإسرائيلي لتزويد القطاع بـ 120 ميغاواط. كما أبلغ الوفد المصري، الجانب الفلسطيني، بموافقة إسرائيلية مبدئية على «إقامة منطقتين صناعيتين شرقي مدينة غزة، وغرب معبر بيت حانون (إيريز)» في شمال القطاع، و«إقامة مشفى لعلاج السرطان على نفقة بعض المؤسسات الدولية». وتقضي التفاهمات غير الرسمية، أيضاً، بإدخال إسرائيل ما بين «1100 و1200 شاحنة بضائع يومياً لغزة، وتجهيز المعبر لتصدير 120 شاحنة من القطاع للخارج».
وعلى الرغم من أن الوسيط المصري كثّف من ضغطه على الفلسطينيين، وتجاوز دور الوساطة و«الحيادية»، في إشارة دالّة على حساسية المرحلة بالنسبة إلى إسرائيل، إلا أن الفصائل أظهرت تمسكاً بشروطها وسلّة مطالبها كاملة. ساعدتها على ذلك حقيقة أن تل أبيب، في هذه المرحلة، معنية بالتوصل إلى التهدئة أكثر مما كانت عليه في ما مضى، وخصوصاً مع الدعوة إلى تظاهرة مليونية (بمناسبة يوم الأرض والذكرى السنوية الأولى لمسيرات العودة) تخشى إسرائيل تبعاتها. إلا أن التهدئة المطلوبة إسرائيلياً تتجاوز «يوم الأرض» على أهميته، إلى تهدئة أطول وإن مؤقتة تمتدّ في حدّ أدنى إلى يوم الانتخابات، ما يتيح للقيادة السياسية تلبية جزء من المطالب الفلسطينية التي تقدّر أن تداعياتها السلبية محدودة على موقعها الانتخابي، بينما ترحّل المطالب الأخرى، الأكثر أهمية بالنسبة إلى الفلسطينيين، إلى مرحلة لاحقة تكون فيها متحررة من الضغوط.
ومع أن الثابت أن تل أبيب غير معنية بأي مواجهة مع قطاع غزة قبل موعد الانتخابات، إلا أن ذلك لا يمنع استمرار الاستعراض العسكري والسياسي، والذي واصلته المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، أمس، ببثّ رسائل التهويل والتخويف باتجاه الجانب الفلسطيني، متحدثة عن استعدادها «غير المسبوق» على حدود قطاع غزة، لمواجهة سيناريوات التصعيد المحتملة، ومن بينها الانزلاق نحو ساعات أو أيام قتالية، قال الإعلام العبري إن الاستخبارات العسكرية لا تستبعد إمكاناتها، ما لم يَجرِ التوصل إلى «تهدئة الانتخابات». أيضاً، أُشبعت وسائل الإعلام العبري بصور ومقاطع فيديو عن انتشار الوحدات والآليات على طول السياج الحدودي مع القطاع، توازياً مع تظهير الزيارة التفقدية لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، إلى فرقة غزة، حيث اجتمع بالقادة والجنود (موقع واللا) للاطلاع على آخر الاستعدادات بعدما استكملت الوحدات جاهزيتها.
مع ذلك، تفاقمت، أمس، شكوى مستوطني «غلاف غزة»، إلى الحدّ الذي لم يكن بالإمكان إخفاؤه إعلامياً، بعدما غادر عدد كبير منهم إلى وسط فلسطين المحتلة، هرباً من «يوم الأرض» وفعالياته. وهو ما يثبت أن ثقة المستوطنين بالقيادة السياسية تزعزعت بعد جولات قتالية وتوترات لم تأت بحلول وتهدئة، تماماً كما تزعزعت الثقة بالأداة الدفاعية الرئيسة للجيش الإسرائيلي ضدّ صواريخ غزة، أي «القبة الحديدية»، بعد إخفاقاتها المتكررة.