الجزائر | لا يبدو أن المتظاهرين الجزائريين عازمون على ترك الشوارع والميادين، على رغم انقضاء ستة أسابيع منذ بدء الحراك الشعبي الذي أشعله ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة. هذا ما أنبأت به، أمس، التظاهرات التي شهدتها المحافظات كافة، وشارك فيها بحسب التقديرات غير الرسمية حوالى 15 مليون مواطن، يحملون شعارات أصبحت تتجاوز مطلب رحيل الرئيس ومحيطه الضيق، إلى رحيل «كل النظام ورموزه»، حتى العسكرية منها.

وقد كان يوم أمس منتظراً بشدة، لقياس ردة الفعل الشعبية على الدعوة التي وجّهها رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، الثلاثاء الماضي، إلى تطبيق المادة 102 من الدستور، والتي تتضمن إعلان شغور منصب الرئيس، إما بإثبات المرض عليه أو تقديمه بنفسه استقالته. وجاء تعبير المتظاهرين في أغلب المحافظات، وخاصة في العاصمة التي احتشد فيها ما يقرب المليونين، واضحاً في رفض اقتراح رئيس أركان الجيش. وشوهدت لافتات تعبر عن أن تطبيق هذه المادة أصبح متأخراً، وتجاوَزه الحراك الشعبي الذي يريد اليوم «تغيير النظام وذهاب رموزه». وفي عدد من ولايات الشرق، طالب المتظاهرون بعودة الرئيس السابق، إليامين زروال، لقيادة فترة انتقالية بدل الذهاب إلى المادة 102، لكن هذه الفكرة لا تلقى إجماعاً في كل المحافظات، إذ تم في العاصمة إسقاط صورة زروال كتعبير عن أنه غير مرغوب فيه هو كذلك.
وبحسب ما استطلعته «الأخبار» من آراء لمواطنين في العاصمة، فإن منبع التخوف من تطبيق المادة 102 هو في كونها تتيح فقط استبدال الرئيس الحالي، وتعويضه برئيس آخر بعد ثلاثة أشهر من داخل نظام الحكم نفسه، وذلك بسبب ما تنص عليه هذه المادة من قيود شديدة لا تتيح تعديل قانون الانتخابات، أو استحداث هيئة مستقلة للإشراف عليها، وكذلك إبقاء القائمة الانتخابية (من يحق لهم التصويت) عينها، التي يراها كثيرون مضخمة بشكل كبير. كما استغربت بعض الآراء أن يأتي الحل من المؤسسة العسكرية، التي لا تمتلك الحق دستورياً في التدخل في هذا الموضوع، ما يثير مخاوف لديهم من تكرار تجارب دول عربية، وخاصة مصر.
لكن، رغم الاتجاه العام الرافض لاقتراح رئيس أركان الجيش، وُجد من بين المتظاهرين من رأى أن المادة 102 يمكنها أن تكون حلاً. ورفع هؤلاء شعارات تشيد بالجيش ودوره وتلاحمه مع الشعب.
ومع مرور الوقت، أصبح سقف مطالب الجزائريين يرتفع كل جمعة بشكل أكبر، رغم التنازلات الكثيرة التي قدمتها السلطة، بدءاً بإسقاط الولاية الخامسة للرئيس وإلغاء الانتخابات، ثم اقتراح خريطة طريق للحل، وأخيراً الدعوة إلى إعلان شغور منصب الرئيس. ولم يكن أحد من الجزائريين يحلم قبل سنة فقط بأن تصير السلطة بهذا الوضع الذي تقبل فيه تطبيق المادة 102، وهي التي عملت على جعلها مجرد «ديكور» في الدستور، بحسب معارضين، لا يُلجأ إليها إلا في حالة واحدة، هي وفاة الرئيس. وبدأ هذا الإصرار على رفض كل ما تقترحه السلطة يثير مخاوف لدى البعض من إمكانية عدم إيجاد مخرج للأزمة. كما أن أصواتاً بدأت ترتفع بالقول إن دعوة «يرحلون جميعاً» غير واقعية، وقد تدخل البلاد في فراغ يؤدي بها إلى الفوضى.
وبموازاة النقاشات الحادة التي تدور في الأسفل، ظهرت مؤشرات صراع قوي في أعلى هرم السلطة بين الرئاسة وقيادة الجيش، بعد دعوة الأخيرة إلى ما يشبه «عزل» الرئيس بوتفليقة. ومن ملامح هذه المواجهة، أن الرئاسة قابلت دعوة أركان الجيش ببرودة تامة، واستمرت في العمل بشكل طبيعي. وفي رد ضمني على دعوة الفريق قايد صالح، أعلنت الرئاسة تعيينها رئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح، ليكون ممثلاً للرئيس بوتفليقة في القمة العربية في تونس يوم الأحد المقبل. ويُمثل اختيار ابن صالح رسالة واضحة من الرئاسة بأنها لا تزال تملك القرار والسلطة على هذا الرجل، الذي في حال عزل بوتفليقة سيكون هو الرئيس بالنيابة لمدة ثلاثة أشهر. كما أن المجلس الدستوري، بعد مرور خمسة أيام على دعوة رئيس الأركان، لم يعقد أي اجتماع في هذا الصدد، وهو المُخول قانوناً إثبات المانع الصحي على الرئيس، علماً بأن هذا المجلس عَيّن فيه بوتفليقة، بعد إعلان ترشحه في 10 شباط/ فبراير الماضي، الطيب بلعيز، وهو واحد من أخلص رجالاته، ما يعني اطمئنان محيط الرئيس إلى أن المجلس الدستوري لن يتحرك إلا بإيعاز منه، وليس من الجيش.
ويبدو محيط الرئيس حتى الآن صامداً، رغم الضربات المتتالية التي تلقاها، بدءاً بتخلي أهم أنصاره السياسيين عن بوتفليقة، ثم إعلان الحليف الرئيسي له، ممثلاً في رئيس أركان الجيش، فك الارتباط به. وتشير بعض المعلومات إلى أن الجماعة المحيطة بالرئيس ترفض تماماً فكرة استقالة بوتفليقة أو عزله، وتفضل خيار إكمال الولاية الحالية التي ستنتهي بعد أقل من شهر (يوم 28 نيسان/ أبريل) والانسحاب من الحكم، وهو ما سيجعل المؤسسة العسكرية المرشح الأبرز لإدارة المرحلة الانتقالية.