تونس | قبل أيام من وصول الملك سلمان إلى العاصمة التونسية، انتشرت صور ضخمة على لوحات تجارية في الطرق العامة ترحب بالضيف السعودي، أغلبها جاءت بتمويل من شركات خاصة تعمل في مجال تنظيم رحلات الحج والعمرة، ولها ارتباطات بالمملكة. ولم ينحصر الترحيب بالضيف، أول الواصلين للمشاركة في القمة العربية التي تبدأ غداً الأحد، في اللوحات الدعائية، بل امتدّ إلى مستوى استقبال رفيع حرص عليه الرئيس الباجي قائد السبسي، الذي عقد جلسة مع الملك سلمان، برفقة عدد من الوزراء من الجانبين، للحديث عن الاستثمارات السعودية في البلاد. لكن الصفقات الجديدة لم تكن عملياً سوى تجديد لتلك التي سبق أن تم الاتفاق عليها خلال زيارة ولي العهد، محمد بن سلمان، نهاية العام الماضي، ضمن جولة عربية أعقبت اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، بهدف كسر عزلته الدولية، علماً بأنها استثمارات لم ترقَ إلى مستوى الاحتفاء غير المعهود، وتشمل جميعها مساهمة في مشاريع خدمية أو ترميماً لمساجد.

وبعيداً عن الاحتفاء الرسمي، لم يخف التونسيون رفضهم زيارة الملك، حتى إن الأخير لم ينجح في الحصول على دكتوراه فخرية من إحدى جامعات البلاد إلا بضغط من السلطات التونسية. فبعدما رفض المجلس العلمي لجامعة الزيتونة، المختصة في تدريس الشريعة وأصول الدين، طلب السلطات التونسية منح زائرها الشهادة الفخرية، مبررة ذلك بـ«النأي بالجامعة عن التجاذبات السياسية»، كما قال رئيس الجامعة الذي أكد أن مؤسسته لم تكن قط أداة في يد السلطة، من المنتظر أن تسند جامعة القيروان الشهادة لسلمان اليوم، بعدما تدبر رئيس الجمهورية الأمر تلافياً للإحراج.
وعلى عكس مفتي تونس، عثمان بطيخ، الذي رحب بالملك وثمّن «أدوار المملكة»، استبقت «الجبهة الشعبية»، أكبر تكتل يساري في تونس، زيارة سلمان ببيان دعت فيه إلى الاحتجاج وتكثيف الفعاليات أيام انعقاد القمة العربية، «رفضاً للتطبيع مع العدو الصهيوني، واحتجاجاً على الحكام العرب وفسادهم واستبدادهم وتواطئهم مع أعداء الأمة العربية والإنسانية». ورغم أن هذه الدعوة لم تُخرِج احتجاجات واسعة، نظراً الى الاستنفار الأمني الذي تشهده العاصمة قبل انعقاد القمة العربية، حتى إن بعض المراقبين شبّه الوضع بأنه «حظر تجوّل جزئي»، إلا أن السلطة لم تنجح في كبح الاحتجاج كلياً، فقد شنت مجموعة «المهرجين النشطاء» حملة ضد الزعماء العرب والملك السعودي، إلى جانب المنصات الدعائية المرحّبة بابن عبد العزيز، عن طريق التظاهر ورفع لوحات تحوي شعارات من قبيل «أوقفوا الحرب على اليمن»، و«قمة بلا هِمّة»، و«قمة المجرمين»، و«تونس لا ترحب».
سعودياً، كرست وسائل الإعلام مساحة معتبرة لزيارة الملك كما جرت العادة، وأضفت عليها طابع الأهمية، مذكرة بـ«عمق العلاقات بين البلدين»، التي يعلم الجميع أنها في اتجاه آخر، ووصل الاحتفاء في إحدى الصحف السعودية شبه الرسمية إلى كتابة عمود ينضح بالمغالطات التاريخية بعنوان: «عندما صرخت تونس من مقعد السعودية ضد المستعمر!». ولعلّ أبرز تلك المغالطات تمثلت في افتخار الكاتب بما سمّاه «الدهاء السياسي السعودي»، الذي جسّده الملك فيصل عندما كان وزيراً للخارجية في خمسينيات القرن الماضي، حين اتفق ــــ بحسب ما تدّعي الصحيفة ــــ مع الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة ليدخله إلى مقر الأمم المتحدة، ويعطيه كلمة السعودية ليدافع عن استقلال تونس. القصة حصلت بالفعل، لكن مع رئيس الوزراء العراقي الأسبق محمد فاضل الجمالي، وليس لفيصل أي علاقة بالموضوع، والحادثة شهيرة في تونس، ومثلت حدثاً فارقاً في المسيرة السياسية لبورقيبة، لأسباب كثيرة، وهو لم ينس فضل الجمالي عليه، حتى إنه منحه لاحقاً الجنسية التونسية، وكرّمه بعد نفيه من العراق.