مرّت الأزمة السورية بالعديد من المحطات الميدانية والسياسية، والتي تطورت معها الاعتداءات الإسرائيلية في رسائلها وأهدافها ومخاطرها. لكن المحطة المفصلية التي وضعت إسرائيل أمام منعطف حاسم، هي فشل الرهان على إسقاط النظام السوري، وعلى رأسه الرئيس بشار الأسد، وهو ما ترك مفاعيله الكبيرة على حسابات المؤسسة الإسرائيلية، التي بات عليها أن تبلور خياراتها على قاعدة الأقلّ كلفة، في حسابات الحاضر والمستقبل.

في الإطار العام، يصحّ توصيف الاعتداء الإسرائيلي، أول من أمس، في شمال شرق حلب، على أنه امتداد لما سبقه من اعتداءات تَواصل إسرائيل تنفيذها على الساحة السورية، بهدف منع إعادة بناء الدولة هناك. لكنه يندرج أيضاً ضمن سياق إقليمي ودولي، وبذلك ينطوي على أكثر من رسالة. يبقى المُحدّد الأكثر حضوراً في وعي المؤسسة الإسرائيلية بشقَّيها السياسي والأمني، هو تحقق السيناريو الأسوأ الذي كانت تخشى منه إسرائيل ولم تكن تتوقعه، أي عودة سيطرة الدولة السورية تحت قيادة الرئيس الأسد، مع ما يعنيه الأمر من استمرار تموضع سوريا في قلب محور المقاومة، وما يترتب على ذلك من تداعيات مرتبطة بمستقبل الصراع.
لا يقتصر التعبير عن هذا القلق على تقديرات كبار الخبراء في إسرائيل، بل يشمل أيضاً القادة العسكريين والسياسيين، مثلما ورد في استراتيجية الجيش المحدثة في نيسان/ أبريل 2018، حيث اعتبرت في المادة التاسعة من تحليل البيئة الاستراتيجية أن مصادر التهديد على مستوى الدول تتجسد فقط، وفقط، في الجمهورية الإسلامية في إيران... وسوريا، التي «على الرغم من ضعفها الجوهري، لا تزال لديها القدرات على تهديد دولة إسرائيل». وفي الفقرة التي تتعلق بالمنظمات العسكرية التي تشكل تهديداً على إسرائيل، ورد أيضاً أن حزب الله يشكل التهديد الرئيس، إضافة إلى فصائل المقاومة الفلسطينية. أما في الفقرة الثانية عشرة، فورد اسم سوريا كذلك في سياق المنظومات ــــ المحور ــــ التي تمثل تهديداً، إذ جاء فيها أن «النظام السوري، إلى جانب إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية الموجودة في المنطقة، تشكّل التهديد الأساسي على دولة إسرائيل الآخذ في التزايد».

اللافت في الضربة أنها استهدفت مواقع ثابتة، وبالتالي فإن إسرائيل كانت تتحكّم بتوقيتها


كان ذلك ولا يزال أساس كل الاعتداءات الإسرائيلية على الساحة السورية، وهو ما يجب استحضاره في أي مقاربة تتناولها لوضعها في سياقها الصحيح، وخاصة أن العدو الإسرائيلي لم يعد يُخفي حقيقة نياته في سوريا. من هنا، لا يزال صانع القرار في تل أبيب مصمماً على مواصلة الاعتداءات، بهدف تقليص منسوب الأخطار الناجمة عن نهوض هذا البلد، وإعادة بناء قدرات جيشه ونظامه، الذي بحسب تعبير رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن المستقيل أفيغدور ليبرمان، يؤسّس لبناء قوس شمالي يخنق إسرائيل بالصواريخ الدقيقة.
اللافت في الضربة الأخيرة أنها استهدفت مواقع ثابتة، وبالتالي فإن إسرائيل كانت تتحكم بتوقيتها أكثر من أي اعتداء آخر يتصل بعمليات نقل عبر الأراضي السورية. على هذه الخلفية، يصبح البعد السياسي لهذا الاعتداء أكثر بروزاً وحضوراً في خلفية صانع القرار، ولدى المتلقين أيضاً. وتُعدّ ضربة أول من أمس الأولى من نوعها خارج منطقة الجنوب السوري ومحيط دمشق، منذ سقوط الطائرة الروسية في أيلول/ سبتمبر الماضي. كما أنها تأتي بعد انقطاع طويل نسبياً، وهو ما يثير سلسلة تساؤلات حول التوقيت والعمق الجغرافي، بعيداً عن الساحات الاعتيادية للاعتداءات السابقة. وما يلفت أيضاً أنه الاعتداء الأول من نوعه بهذه المواصفات بعد زيارة نتنياهو الأخيرة لموسكو، والتي شكلت محطة مهمة في بلورة التنسيق البَيْني، في سياق تجاذب مضبوط بين الطرفين على خلفية الموقف من التمركز الإيراني، لا يتعارض في الوقت نفسه مع حرصهما على التنسيق بينهما.
كذلك، ليس أمراً قليل الدلالة أن يأتي هذا الاعتداء بعد مراسم توقيع الاعتراف الأميركي على «السيادة الإسرائيلية» على الجولان. تعاقب تستهدف إسرائيل القول من خلاله إن «إنجاز الجولان» لا يغنيها عن مواصلة الانشغال بالتهديد الذي تمثله عودة سيطرة الدولة السورية، ولذا كان لا بد من تجديد التأكيد على الخيارات العدوانية الهجومية، إلى جانب تعزيز الضغوط على سوريا في مرحلة ما بعد فشل الرهان على الخيار العسكري.
من جهة أخرى، يبدو أن القيادة السياسية الإسرائيلية أرادت أيضاً توجيه رسالة مفادها أن انشغالها بمواجهة التهديد الذي تشكله المقاومة في قطاع غزة، لن يكفّ يدها عن مواصلة اعتداءاتها لمواجهة التهديد الأكثر خطورة على الأمن القومي الإسرائيلي، والمتمثل في الجبهة الشمالية، وأنها مستعدة سياسياً وعملانياً للمواجهة على أكثر من جبهة في الوقت نفسه. لكنها بذلك تقرّ، ضمناً، بمستوى التكامل بين جبهة فلسطين (قطاع غزة والضفة) والجبهة الشمالية، اللتين يشد بعضهما بعضاً.
وكما هي الحال في كل الاعتداءات العسكرية التي يتم العمل على صرفها انتخابياً، لم يتردد وزير الاستخبارات، القائم بأعمال وزارة الخارجية إسرائيل كاتس، في القول إن «المصادر الأجنبية التي تقول إننا هاجمنا في سوريا، ربما تعرف عمّا تتحدث»، مضيفاً إن «الإيرانيين يعلمون بأننا هاجمنا».
الأكيد أن هذا الاعتداء لن يكون الأخير، ولكن في ضوء السياقات الإقليمية والدولية بات كل اعتداء ينطوي على مخاطر تدرك تل أبيب أنها قد تنفجر في أي محطة، بل وتتعامل سياسياً وميدانياً على هذا الأساس. ومع ذلك، هي مصممة على مواصلة اعتداءاتها على قاعدة أن مفاعيل عدم مواصلة الاعتداءات قد تكون أكثر خطورة من نتائج الاستمرار فيها.