في زيارة هي الأولى من نوعها، وصل قائد «عملية الكرامة» في شرق ليبيا، المشير خليفة حفتر، أمس، إلى الرياض، ليجتمع بالملك سلمان ووزير الداخلية وشخصيات أخرى. لم يرشح عن اللقاء شيء كثير، سوى بيان أوردته وكالة الأنباء السعودية الرسمية، أكد فيه الملك حرصه على «أمن ليبيا واستقرارها».

في واقع الأمر، لم يبتعد حفتر منذ إطلاق عمليته عام 2014، عن السعودية، التي تلقّى منها دعماً واسعاً، يتعلق الجزء الواضح منه بتسخير جهود أذرعها الإعلامية وشيوخ المؤسسة الوهابية لتوفير غطاء أيديولوجي للمعارك الميدانية. فعلى امتداد الأعوام الماضية، تواصل الشيخ السعودي، ربيع المدخلي، مرات عدة مع أتباعه في ليبيا، وحثهم على القتال ضمن قوات حفتر، على اعتبار أن هذا الأخير «ولي أمر شرعي». كذلك أُرسِل شيوخ آخرون في جولات إلى ليبيا، ظهر بعضهم وهم يعبّئون المقاتلين السلفيين على خطوط الاشتباك. وقد أثمر كل ذلك تثبيت موطئ قدم وهابي راسخ في المؤسسات الأمنية والعسكرية والدينية الليبية، خاصة في دار الإفتاء شرقي البلاد، لكن أيضاً على منابر عشرات المساجد في مناطق أخرى.
الدعم السعودي لحفتر لم يقتصر فقط على الداخل الليبي، بل تجلّى كذلك داخل المملكة. ففي 31 أيار/ مايو الماضي، ألقى الأمن السعودي القبض على ثلاثة ليبيين (تمكّن رابعهم من النجاة) ينحدرون من مدينة الزاوية غربي البلاد، وينشطون في أجهزة أمنية مناوئة لحفتر، وذلك أثناء تأديتهم مناسك العمرة. وبعد اعتقالهم، رُحِّلوا سراً، في موعد غير معلوم، نحو شرق ليبيا، حيث تسيطر حكومة حفتر غير المعترف بها دولياً. ظلت القضية مثار جدل، إلى أن انقطعت أخبار المحتجزين، وزاد الزخم حولها بعد اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، من خلال تنظيم أهاليهم وقفات أمام البعثات الدبلوماسية السعودية. ويبدو أن حل هذا الملف كان شرطاً مسبقاً لزيارة حفتر للسعودية؛ إذ إنه لم يطلق سراح المحتجزين إلا قبل أقل من أسبوعين (الأخبار، العدد 3713).

يسعى حفتر لحشد الدعم، وصولاً إلى «الساعة الصفر» لدخول طرابلس


ويستهدف حفتر من الزيارة مراكمة مزيد من الرصيد الدبلوماسي و«الشرعية» لنفسه. فالرجل يعمل منذ أعوام على زيارة كبريات العواصم الدولية والإقليمية، ضمن مسعاه لتصوير نفسه شخصيةً مرموقة جديرة بالاحترام، وبأداء دور محلي مسنود بـ«انتصاراته» الميدانية، التي تشوبها الكثير من الثُّغَر والدماء. يمكن حفتر التعويل على حليفه السعودي وبقية دول «المحور»، أي الإمارات ومصر أساساً، في تعطيل أي إشارة ضده في أعمال القمة العربية التي ستعقد يوم الأحد المقبل في تونس. وهو وصل إلى مرحلة صار يعتبر نفسه فيها ممثلاً للدولة، على رغم أنه، وفق التوصيف الأكثر موضوعية، لا يزيد على كونه قائداً لمجموعة من الميليشيات، تخوض حرباً أهلية. علاوة على ذلك، سيدخل الرجل أكثر قوة في مفاوضات «الملتقى الوطني الجامع»، الذي تنوي بعثة الأمم المتحدة عقده منتصف الشهر المقبل.
لكن الأهم من كل ما تقدم، أن حفتر يسعى إلى حشد أكبر ما يمكن من الدعم، وصولاً إلى «الساعة الصفر» لدخول طرابلس، حتى يضمن «عدم تشكل أي قوة خارج الدولة تشبه حزب الله»، كما قال الناطق باسمه، العميد أحمد المسماري، خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء الماضي. وتعتمد استراتيجية حفتر للدخول إلى طرابلس على عقد أوسع تحالفات ممكنة، مع قبائل ومجموعات مسلحة، داخلها وفي محيطها، لأن اختراقها عسكرياً أمرٌ مكلفٌ جداً، وقد يأتي بنتائج عكسية، نظراً للتحصينات التي تحتويها، وحجم ترسانتها العسكرية، وعدد مقاتليها. وقد انتشرت أخبار عن وجود تنسيق بين حفتر وقوات من مدينة ترهونة الواقعة جنوب طرابلس في الأيام الماضية، ما أدى إلى تسخين الأجواء في طرابلس، وقاد إلى عقد اجتماع في ترهونة جمع ممثلين عن بقية مدن العاصمة ونواحيها، وخلص إلى الاتفاق على التوحد ضد أي هجوم لحفتر، أو عدم المساهمة فيه على الأقل.