الخرطوم | لا شكّ في أن الاحتجاجات المستمرة منذ ثلاثة أشهر وأسبوع ضد حكم الرئيس عمر البشير، غيّرت خارطة أحزاب المعارضة والموالاة بشكل غير مسبوق. فبعدما انتقلت بعض أحزاب «الموالاة» إلى مربع المعارضة بالانسحاب من الحكومة وتأييدها الحراك الشعبي، كحزب «الأمة الإصلاح والتجديد» وحركة «الاصلاح الآن» وحزب «الأمة الفيدرالي»، وحّدت أحزاب المعارضة، التقليدية والمنضمة حديثاً، على اختلاف توجهاتها السياسية والأيديولوجية، مطلبها بتنحي البشير، تحت مظلة «ميثاق الحرية والتغيير»، في سابقة تُعدّ الأولى من نوعها.

يعيد نائب رئيس حزب «الأمة القومي» المعارض، إبراهيم الأمين، في حديث إلى «الأخبار»، توحيد قوى المعارضة إلى «أخطاء النظام وفشله في تقديم حلول للأزمة السياسية والاقتصادية، التي تراكمت وبلغت مداها، يما يوفر الأسباب الموضوعية للحراك الذي تصاعد بوتيرة أشد مما كان عليه في عام 2013»، حين خرج الناس محتجين على زيادة أسعار المحروقات، بكلفة باهظة من الأرواح، لكن الأمين يؤكد أن الشباب السوداني «استوعب درس أزمة القيادة حينذاك (2013)، وطوّر نهجه في التعامل مع القضية السياسية، وفق أسس ورؤية واضحة مكّنته من امتلاك زمام المبادرة».
ويلفت نائب رئيس «الأمة القومي» إلى أن «واجهة تجمع المهنيين السودانيين استطاعت توحيد المعارضة وتغيير خارطة السياسة السودانية، فلأول مرة منذ وصول حكومة الإنقاذ إلى سدة الحكم عن طريق انقلاب عسكري عام 1989، تتوحد فصائل المعارضة نحو هدف واحد هو إسقاطها، وتترك المعارضة السودانية جميع خلافاتها وراءها، في الوقت الذي يمسك فيه الشباب بمفاصل الحراك، ويسدّون المنافذ نحو أي اتجاه للتفاوض مع الحكومة، من دون تحقيق مطلبهم الوحيد بإسقاطها، وهذا ما جعل التحالفات المعارضة تتراجع عن مواقف سابقة أكدت فيها إمكانية الحوار مع النظام».
لكن في المقابل، لا يرى المسؤول السياسي لحزب «البعث السوداني»، محمد وداعة، أن «تجمع المهنيين» أحدث تغييراً كبيراً على الساحة السياسية المعارضة. ويقول، في حديث إلى «الأخبار»، إن «التجمع جزء من القوى الموقعة على ميثاق الوحدة والتغيير»، مرجعاً «وحدة المعارضة إلى الوضع السياسي والاقتصادي في البلد، وخروج المسيرات. وهذا ما جعل المعارضة تصطف تحت لواء تجمع المهنيين الذي تُشكل المعارضة مكوناته»، مؤكداً أن «تغيير الخارطة السياسية هو نتاج مجهود الكل، وفي مقدمتهم جماهير الشعب التي رفضت العيش تحت وطأة البؤس».

لاقى انسحاب «نداء السودان» من «خارطة الطريق» ترحيب «تحالف قوى الإجماع»


وفي الاتجاه نفسه، يرى القيادي في حزب «المؤتمر الشعبي»، كمال عمر، المشارك في الحكومة، والذي كان يتزعمه عراب الحركة الإسلامية، الراحل حسن الترابي، أن الظروف التي يمر بها السودان «جعلت المناخ السياسي ملتهباً وقابلاً لقيادة المعارضة زمام المبادرة». ورغم أن عضو البرلمان امتدح «تجمع المهنيين» لكونه «امتلك رؤية واضحة أهّلته لقيادة مركب الاحتجاجات»، لا يخفي مراقبون خشيتهم من أن تَمدّ خلافات المعارضة عنقها مرة أخرى، وهو ما أشار إليه المحلل السياسي خالد التيجاني، في حديث إلى «الأخبار»، بالقول إن «وحدة المعارضة الحالية اقتضتها الظروف الملحة»، لكنه أعرب عن خشيته من أن تكون «شكلية على الورق فقط». كما عاب على «تجمع المهنيين» «تحفظه على ضمّ كثير من القوى التي طرقت بابه، خاصة التيارات الإسلامية»، معتبراً أن ذلك «سيضعه في خانة الإقصاء الذي ظَلّ يرفضه في كل بياناته».
لكن بعيداً عن «الإقصاء»، تنبئ خطوات بعض قوى المعارضة بتصعيد قد يأخذ بالمشهد السياسي إلى مرحلة المواجهة. تمثل ذلك بإعلان تحالف «نداء السودان»، الذي يشمل عدة قوى سياسية ومسلحة أبرزها حزب «الأمة القومي» وحزب «المؤتمر السوداني» و«الحركة الشعبية» (شمال) و«حركة تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة» و«مبادرة المجتمع المدني» إلى جانب قوى أخرى، من باريس، انسحابه من «خارطة الطريق» التي وقّعها مع الحكومة السودانية في أديس أبابا عام 2016، ومن ثم ترحيب «تحالف قوى الإجماع الوطني» المعارض، الذي يضم أحزاب «الشيوعي» و«البعث الأصل» و«الناصري» وقوى من المجتمع المدني، في بيان حصلت «الأخبار» على نسخة منه، بالخطوة، بالقول «إن موقف قوى نداء السودان... يجد منا كل التقدير والاحترام»، وإن قوى المعارضة باتت اليوم أكثر وحدة وتماسكاً حول إرادة الجماهير لـ«هزيمة النظام وإسقاط أجندة الإسلام السياسي».
ويرى مراقبون أن إعلان «نداء السودان» الانسحاب من «خارطة الطريق» يعني أنه «يختار طريقاً آخر وهو العمل المسلح»، كما قال القيادي في «المؤتمر الوطني»، إبراهيم الصديق، لوكالة «سبوتنيك» الروسية أمس، خصوصاً أن اجتماع «نداء السودان» المعارض خارج البلاد، الأول عقب عودة رئيسه الصادق المهدي يوم اندلاع الاحتجاجات، ناقش بحسب البيان، «توسيع الحراك الثوري وتنويع أدواته وتعميقه وتنظيمه بصورة قاعدية واسعة، عبر لجان المدن والقرى والأحياء، لمقاومة مخططات النظام لقمعه... إلى حين الوصول للفعل الحاسم الذي يسقط النظام ويُحدث الانتقال الشامل».
التغيير الحاصل في الساحة السياسية يضع البشير على مسافة واحدة من جميع الأحزاب، سواءً كانت في الموالاة أم في المعارضة، لكن ليس بلباس «قومي» كما لمّح في خطاب «حل الحكومة وإعلان الطوارئ» قبل شهر، بل بلباس «انعزالي» دفعه إلى أن يحيط نفسه بالمقربين منه بقرارات، آخرها أول من أمس، عيّن فيها حاكم شمال كردفان السابق، أحمد محمد هارون، القريب منه، مساعداً لرئيس الجمهورية، بعدما منحه كل سلطاته في رئاسة حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم، ليصبح الرجل الأول في الحزب ورئيساً بالوكالة له.