لم يكن مقرراً على أجندة اللقاء الذي جمع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية جوزف دانفورد، ونظيره التركي يشار غولار، على هامش قمة «حلف شمال الأطلسي» أمس في بروكسل، أن يقدّم الجنرال التركي التعزية لشريكه بمقتل جنود أميركيين في واحدة من المدن التي يناقشان مستقبلها، وهي منبج. الخسارة الأميركية، الأكبر حتى الآن في سوريا، جاءت في وقت حساس جداً، وسط أسئلة عدة تُثار عن مشروع «المنطقة الآمنة» الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتبنته أنقرة، وفي ظل غموض بشأن مستقبل المناطق الواقعة شرقيّ نهر الفرات. أربعة قتلى (بينهم عسكريان وموظف مدني في وزارة الدفاع ومتعاقد مع الوزارة) وثلاثة جرحى من العسكريين هي الحصيلة الرسمية لخسائر القوات الأميركية في تفجير استهدف مطعماً في مدينة منبج، فيما وصل عدد العسكريين القتلى إلى خمسة وفق حسابات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. هذا التفجير الذي أودى بحياة آخرين غير أميركيين، بينهم مدنيون وعناصر يتبعون «مجلس منبج العسكري»، تبناه «داعش» بعد وقت قصير جداً من وقوعه؛ ونُفّذ أمام مطعم يرتاده عسكريون أميركيون بنحو متكرر، وفق ما نُقل عن مصادر محليّة.

وبمعزل عن هوية المسؤول عن التفجير، انعكست حساسية توقيته ونتائجه المباشرة على ردود الفعل الأولية الصادرة عن أطراف معنية بمصير شرقيّ الفرات. إذ وجد معارضو قرار ترامب الانسحاب من سوريا، الفرصة سانحة للتصويب على «دعاية» الرئيس المتكررة عن هزيمة «داعش» في وقت تمكّن فيه التنظيم من قتل عسكريين أميركيين، وسط بلدة تغنّى «التحالف الدولي» بأمانها. ولم يغفل السيناتور ليندسي غراهام ــ مثلاً ــ الإشارة أمس إلى أن هذا القرار «شجّع» التنظيم على تنفيذ الهجوم، مذكراً بأنه «على الأغلب» قصدَ المطعم المستهدف نفسه «صحبة عرب وأكراد وآخرين»، خلال زيارة للشمال السوري. وفي مقابل ذلك، كان رد الفعل الأبرز من الرئيس التركي، الذي اعتبر أن هدف الهجوم قد يكون التأثير بقرار الانسحاب الأميركي، مضيفاً في الوقت نفسه أنه لمس «عزم ترامب» وأن الأخير «لن يتراجع عن قراره نتيجة وقوع هذا العمل الإرهابي... بل إن خطوة من هذا القبيل ستكون انتصاراً لتنظيم داعش». ويلمّح الموقف التركي الرسمي إلى خشيةٍ من إحياء آمال «فريق» أميركي يسعى لعرقلة تنفيذ قرار الانسحاب، خاصة بعدما وصل مشروع «المنطقة الآمنة» إلى مراحل متقدمة، نظرياً.

أكدت موسكو أن عودة سلطة دمشق إلى شرقيّ الفرات هي «الحل الأمثل»

بينما يُنتظر ما ستصل إليه المشاورات الأميركية ـــ التركية، التي تتخللها قنوات جانبية مع شركاء كلٍّ من الجانبين، بدا لافتاً أمس، تعهّد «قوات سوريا الديموقراطية» بتقديم «الدعم والمساعدة» لتشكيل «منطقة آمنة... بضمانات دولية»، في موازاة تأكيدها الأمل بالوصول إلى «تفاهمات وحلول» مع تركيا، من شأنها أن «تؤمّن استمرار الاستقرار والأمن في المناطق الحدودية معها». وجاء ذلك في موازاة بيان صدر عن «المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا»، أكّد رفض «إقامة منطقة آمنة تديرها تركيا» ويدعو لإقرار «منطقة فصل نزاع... بقوات حفظ السلام الدولية وبرعاية الأمم المتحدة». ومن غير الواضح، إن كانت هذه الصيغة الهجينة لإخراج «المنطقة الآمنة»، والتي تتحدث عنها القوى المسيطرة شرقيّ الفرات، قابلة للتطبيق في ظل التجاذبات الدولية والإقليمية الحالية. والواقع يفرض أن تفاهم واشنطن وأنقرة بشأن تلك المنطقة، بقبول دولي، يترك هامشاً ضيقاً لمساهمة «قوات سوريا الديموقراطية»، مرتبطاً بهوية القوات التي ستخفر حدود «المنطقة الآمنة» قبالة الأتراك عقب الانسحاب الأميركي المفترض.
ووسط تشكيك روسي متواصل في نيات الانسحاب الأميركي من سوريا، كان لافتاً أمس تصريح وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، الذي قال فيه إن طرح «المنطقة الآمنة» يجب أن «ينظر إليه، وإلى عدة أشياء أخرى، من منظور يفترض ضمناً الحاجة إلى إعادة السيطرة في أقرب وقت ممكن إلى السلطات الحكومية المركزية على أراضيها». وبينما يعكس التصريح موقفاً «متفهماً» لحاجة تركيا إلى «المنطقة الآمنة»، رأى لافروف أن الحل الأمثل والوحيد لملف الأسلحة التي سلّمتها الولايات المتحدة لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية وللقواعد الأميركية في شمال شرق سوريا، هي «وضع هذه المناطق تحت سيطرة القوات المسلحة والهيئات الإدارية السورية». وأكد الوزير الروسي أن هذا الشأن سيُبحث خلال لقاء أردوغان نظيره الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع المقبل، إلى جانب ملفي إدلب و«اللجنة الدستورية». وأكد أن بلاده مهتمة «بتنفيذ الاتفاقات التي جرى التوصل إليها بين روسيا وتركيا في منطقة إدلب... حيث سُحق كل المقاتلين تقريباً على يد جبهة النصرة»، مضيفاً أن التزام الاتفاق لا يعني «منح الحرية الكاملة لعمل الإرهابيين الذين يواصلون استهداف مواقع القوات السورية ونقاط مدنية في إدلب... ويحاولون مهاجمة قاعدة حميميم الجوية».



مؤسس «بلاك ووتر»: لاستبدال الجيش بالمتعاقدين


في وقت يتزايد فيه الحديث عن بدائل الوجود العسكري المباشر في سوريا، اقترح مؤسس شركة «بلاك ووتر»، إريك برينس، استخدام «متعاقدين عسكريين خاصين» بدلاً من وحدات الجيش الأميركي.
ونقلت «ذي إندبندنت» البريطانية عن برينس، تأكيده أن المتعاقدين يمكنهم حماية حلفاء الولايات المتحدة ومواجهة النفوذ الإيراني بعد الانسحاب، مضيفاً أن «الولايات المتحدة ليس لديها التزام استراتيجي طويل الأمد بالبقاء في سوريا، غير أنه لا يحبّذ التخلي عن حلفائنا». ورأى أن استخدام المتعاقدين سيسمح للرئيس دونالد ترامب، بالوفاء بوعده الانتخابي بإنهاء «الحروب الأبدية»، مع توفير بعض الحماية لحلفاء واشنطن، موضحاً أنه «إذا لم يكن هناك قدرة قوية للدفاع عن هجمات برية لقوات تقليدية كتلك التي يمتلكها الإيرانيون والسوريون، فإن حلفاءنا سيدمّرون».