دمشق | ينعكس التقنين الكهربائي الجائر على تفاصيل حياة السوريين اليومية ومزاجهم، مع وصول ساعات انقطاع الكهرباء إلى حدود 12 ساعة في معظم المدن والمناطق، بزيادة أو نقص تتفاوت نسبته بحسب «أهمية» القاطنين ومناصب بعضهم. هذا التأثير غير المسبوق للتقنين سببه تزامن الانقطاع اليومي مع غياب المحروقات والغاز، وسط انخفاض لافت في درجات الحرارة. وسبقت هذا الواقع المتردي وعودٌ أطلقها وزير الكهرباء محمد زهير خربوطلي، بأن يمرّ فصل الشتاء على السوريين بشكل مقبول. وأثارت تصريحاته لتبرير التقنين الأخير جدلاً واسعاً، لا سيما قوله إن «الشتاء دخل بشكل مفاجئ بعدما باشرت ورش الصيانة عملها». ومع وصول التقنين إلى مرحلة من الثبات (3 ساعات انقطاع و3 ساعات تغذية)، فإن ساعات الانقطاع أضحت كابوساً مستمراً، إذ لا مجال آخر للتدفئة ــ بغياب المحروقات ــ سوى الأغطية وطبقات الملابس. وصار انقطاع الكهرباء ليلاً، على سبيل المثال، دعوة إلى النوم المبكر، في محاولة للهرب من السهرات الباردة على أمل الاستيقاظ في صباح أكثر دفئاً.
فقد الغاز المنزلي منفصل كلياً عن ملف تشغيل المحطات الكهربائية


تتقاذف الوزارات الخدمية مسؤولية الواقع الكارثي الذي وصل إليه الشارع السوري. ولا تتوقف وزارة الكهرباء عن نشر توضيحات متواترة عبر منابرها أو مديريها المتصدّرين وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية. ولا يخفى أن وارد الوقود إلى الوزارة قد انخفض، خلال الحرب، إلى 4 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، بعدما كان 30 مليوناً قبلها، مع انخفاض كميات الفيول إلى ألفي طن يومياً، بعدما كانت 15 ألفاً. وعقب دخول حقول الغاز في مناطق القلمون، شمال دمشق، إلى الخدمة، أصبح وارد قطاع الكهرباء من الغاز يصل إلى 13 مليون متر مكعب يومياً، بينما تحتاج محطات التوليد المتوقفة عن العمل حتى اللحظة إلى ما يقارب 6 ملايين متر مكعب من الغاز لإعادة تشغيلها. ووعد وزير النفط علي غانم، خلال اجتماع مجلس الوزراء نهاية العام الفائت، بإدخال مليونَي متر مكعب إضافي إلى الخدمة خلال أيام. ولا يبدو لائقاً الإلحاح في شأن انتهاء مهلة الوعد بين الوزارتين، إثر تحميل المواطنين وزارة النفط مسؤولية أزمة المحروقات الخانقة التي تشهدها البلاد. وإن كانت الحمولات الكهربائية قد ازدادت بنسبة 100% مع بدء موسم البرد، فإن البلاد على موعد سنوي ثابت مع فصل الشتاء بما لا يبعث على المفاجأة، بخلاف تصريحات الوزير خربوطلي. وتظهر الحاجة إلى نحو 19 مليون متر مكعب يومياً، ليعود توليد الكهرباء إلى ما كان عليه قبل الحرب، حين كان قطاع الكهرباء ينتج 8 آلاف ميغاواط يومياً، ليصل اليوم مقدار ما يولّده إلى حدود 4185 ميغاواط فقط. وخلاصة القول يمكن استنتاجها بأن الحل لن يأتي قبل انتهاء هذا الشتاء.
وتعتمد العَنَفات في محطات الكهرباء على مادتَي الفيول والغاز لتوليد الطاقة الكهربائية، في حين أن فقد الغاز المنزلي، والجدل حول الباخرة التي يفترض أن تأتي به من إيران، هو ملف منفصل كلياً عن ملف تشغيل المحطات الكهربائية؛ إذ تعتمد عنفات توليد الطاقة على الغاز الطبيعي المستخرج من الحقول السورية، ولا علاقة لها بالغاز المنزلي المستورد. وتبعاً لذلك، يؤكد عدد من العاملين في إحدى المحطات أن الوعود الوزارية لم تأتِ من فراغ، بعد صيانة المحطات وضمان سلامة تشغيلها، ليأتي نقص الغاز غير المتوقع ويفاقم الأوضاع. وبينما تستهلك العاصمة السورية قرابة 750 ميغاواط يومياً من الطاقة الكهربائية، فإن الدولة السورية تصدّر 500 ميغاواط يومياً إلى لبنان. وتبدو المطالبة بالاكتفاء الذاتي كهربائياً قبل الإقدام على التصدير غير واردة بالنسبة إلى المعنيين، باعتبار العقد مع الدولة اللبنانية يسمح بدخول عملة صعبة تحتاج إليها البلاد حالياً.