الجزائر | أصدرت وزارة الدفاع الجزائرية، أمس، بياناً وُصف بأنه شديد اللهجة ضدّ ضباط عسكريين سابقين لم تُسمِّهم، كانوا قد نشروا في الفترة الأخيرة مقالات وأجروا لقاءات صحافية دعت رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، إلى التدخّل قبل الرئاسيات المقبلة المزمع إجراؤها في شهر نيسان/ أبريل المقبل. وورد في البيان أن «بعض الأشخاص، مِمَّن تحرّكهم الطموحات المفرطة والنوايا السيئة، يحاولون إصدار أحكام مسبقة إزاء مواقف المؤسسة العسكرية من الانتخابات الرئاسية، ويمنحون أنفسهم حق التحدّث باسمها، باستغلال كافة السبل، ولا سيما وسائل الإعلام». واتّهمت وزارة الدفاع هؤلاء الضباط المتقاعدين بمحاولة «التأثير في الرأي العام، وادعاء مصداقية تعوزهم»، وقالت إنهم «قد تم توجيههم لمخاطبة القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي كخيار أخير، بعدما لم تحقّق مداخلاتهم الكتابية المتكرّرة عبر وسائل الإعلام أي صدى».

يتّجه هذا الكلام رأساً إلى اللواء المتقاعد علي غديري، الذي اشتُهر في الأسابيع الأخيرة عبر مساهمات مكتوبة في عدد من الصحف الجزائرية. لكن أكثر ما يبدو أنه أثار حفيظة قيادة الجيش الجزائري، هو الحوار الأخير الذي أجراه مع صحيفة «الوطن» الجزائرية الناطقة بالفرنسية، والذي دعا فيه صراحة، الفريق أحمد قايد صالح، إلى التدخّل، بعدما وصفه بالرجل الوطني الذي لا يرضى بانتهاك الدستور، وذلك على خلفية الدعوات الحالية في الجزائر إلى تمديد فترة حكم الرئيس بوتفليقة، نظراً إلى عدم قدرته على الترشّح من جديد في الانتخابات المقررة بعد 4 أشهر فقط. وقال اللواء غديري، الذي شغل منصب مسؤول الموارد البشرية السابق في وزارة الدفاع، في المقطع الذي أثار غضب قيادة الجيش في جريدة «الوطن»: «بحسب ما يثار، فإن هناك من يطالب بتأجيل الرئاسيات، والبعض بالتمديد للرئيس، وهي كلها سيناريوات غير دستورية. بحكم معرفتي بالفريق أحمد قايد صالح، لا أعتقد بأنه سيسمح للمغامرين بالمضي في ذلك». وأضاف: «ربما يكون الفريق متسامحاً في بعض الأمور، لكن عندما يتعلق الأمر بالوطن وباستقراره، يتحوّل إلى المجاهد (عسكري في الثورة الجزائرية ضد الاستعمار)، ولا أظنه سينخرط في مساعي من تُحركهم دوافع لا وطنية».

يمنع القانون الصادر في آب 2016 الضباط السابقين من خوض النقاش السياسي


وفي ردها الذي ينطبق تماماً على ما قاله اللواء غديري، ذكرت وزارة الدفاع أن البعض أصبحوا «يخوضون دون حرج ولا ضمير في ترّهات وخرافات تنبع من نرجسية مرضية، تدفعهم إلى حد الادعاء بالمعرفة الجيدة للقيادة العليا للجيش الوطني الشعبي، وبقدرتهم على استقراء موقفها تجاه الانتخابات الرئاسية، وهو ما يشكل انحرافاً جسيماً ينمّ عن درجة متقدمة وخطيرة من اللاوعي، الذي لا يُحدثه إلا الطموح الأعمى». وأشارت المؤسسة العسكرية إلى إمكانية ملاحقة الضباط السابقين الذي يخوضون في السياسة أمام القضاء، كون هذه التصرفات، بحسب ما اعتبرت، تجاوزت حداً لا يُمكن السكوت عنه.
والمعروف في الجزائر أن الضباط السابقين في المؤسسة العسكرية ممنوعون من الخوض في النقاش السياسي، بعد صدور قانون في 3 آب/ أغسطس 2016 يلزمهم بواجب التحفظ، ويضعهم تحت طائلة المتابعة أمام العدالة. وكان لافتاً ورود عبارات في بيان وزارة الدفاع تحدث عن «دوائر ضيقة وخفية»، و«عرّابين» يوجّهون الضباط السابقين، وهي إشارات فهم بعض المتابعين على أن المقصود بها رئيس المخابرات السابق، الجنرال توفيق، الذي يعود الحديث عنه دائماً في الجزائر، باعتباره يقود جناحاً داخل النظام، مناوئاً للرئاسة وأركان الجيش.
وعلى رغم الحديث المتكرّر عن إمكانية تمديد ولاية الرئيس بوتفليقة وعدم الذهاب إلى انتخابات رئاسية، إلا أن هذا الاحتمال بدأ يتراجع شيئاً فشيئاً في الأيام الأخيرة، بعد تصريحات الوزير الأول أحمد أويحيى، ومسؤول حزب الأغلبية، جبهة «التحرير الوطني»، معاذ بوشارب، أمس، عن أن الانتخابات ستجرى في موعدها. وأثار نقاش تأجيل الانتخابات والتمديد للرئيس بوتفليقة جدلاً واسعاً بين السياسيين والقانونيين، وخصوصاً أن الدستور الجزائري لا يجيز تمديد ولاية الرئيس إلا في حالة «الحرب» فقط. وكان رئيس حزب «تاج»، الوزير السابق عمار غول، المحسوب على الموالاة، قد خلط الأوراق بتصريحاته في الفترة الأخيرة، والتي دعا فيها إلى تأجيل الانتخابات، وتمديد حكم الرئيس بوتفليقة، وذلك بمبرّر «استكمال الإصلاحات السياسية والاقتصادية في البلاد». وهو ما عدّه البعض إشارة إلى أن ثمة مَن يدفع إلى خيار التمديد، بالنظر إلى ارتباط الوزير غول بدوائر القرار.