عادت التهديدات التركية بشنّ عملية عسكرية في مناطق شرقيّ الفرات إلى الواجهة، من أعلى مستويات السلطة في تركيا، مع تلويح الرئيس رجب طيب أردوغان بتحرك عسكري «خلال أيام قليلة» مقبلة. حديث أردوغان هذه المرة لا يحتمل تأويلاً أو تفسيرات متباينة، فقد أعلن بوضوح عزم بلاده على «بدء عملية تهدف إلى تطهير شرقيّ الفرات من الإرهابيين الانفصاليين خلال أيام قليلة»، مؤكداً أن «الهدف لن (ولم) يكون الجنود الأميركيين» هناك. وترافق هذا الإعلان مع تحركات عسكرية نشطة في معظم المناطق التركية المحاذية للحدود مع سوريا. توقيت هذا «الإشهار» لا يبدو مصادفة أبداً، فهو تلا مباشرة إعلان وزارة الدفاع الأميركية الانتهاء من إقامة «نقاط المراقبة» على الجانب السوري من الحدود مع تركيا، في ما بدا تجاهلاً تاماً للطلبات التركية العلنية بالتراجع عن هذه الخطوة. كذلك فقد أتى كلام أردوغان بعد محادثات طويلة أجراها الممثل الخاص لوزير الخارجية الأميركي لشؤون سوريا، جايمس جيفري، في تركيا، ركّزت في معظمها على ملف منبج وشرق الفرات، وتسلّم خلالها الديبلوماسي الأميركي طلباً رسمياً من وزارة الدفاع التركية بالتراجع عن مبادرة «نقاط المراقبة». وانعكست أجواء تلك الزيارة في حديث أردوغان أمس، الذي قال إن «حقيقة وجود اختلافات عميقة في التصور مع الولايات المتحدة ليست سراً»، معتبراً أن التحرك شرقيّ الفرات «سيفتح الطريق أمام حلّ سياسي... وتعاون أصحّ».

القرار التركي بالتصعيد، عبر الإعلام كخطوة أولى، يبعث برسالة مهمة إلى واشنطن، مفادها أن محاولاتها لشراء الوقت على شاكلة ما جرى في ملف منبج، لن تكون متاحة بسهولة. وهو توجّه عبّر عنه الرئيس التركي أمس بوضوح، حين قال إنه «جرى استخدام تكتيك المماطلة في منبج، ولا يزال يُستخدَم الآن»، مضيفاً أنه «لا يوجد أي تهديد يدعى داعش في سوريا بعد الآن. هذه هي قصة خيالية». ويتساوق هذا التصور مع قراءة أنقرة لمبادرة «نقاط المراقبة»، وعدم اقتناعها بالمزاعم الأميركية حول أهمية تلك النقاط في حماية أمن تركيا؛ أو بكلام أردوغان نفسه: «من المؤكد أن الغاية مراكز المراقبة... ليست حماية بلادنا من الإرهابيين، بل حماية إرهابيي تركيا». وتعززت تلك القراءة إثر إحياء واشنطن لفكرة تدريب عشرات آلاف «عناصر الأمن» في شرقيّ الفرات، واللقاءات المستمرة للمسؤولين الأميركيين مع ممثلي «وحدات حماية الشعب» الكردية و«حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي، التي كان آخرها وفق مصادر وكالة «رويترز»، زيارة جيفري نفسه إلى مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» في شمال شرقي سوريا، ولقاؤه قيادة تلك القوات، وهي زيارة لم يتحدث عنها أي مصدر أميركي، أو محسوب على «قسد»، حتى مساء أمس.
العملية التي مهّد أدروغان الطريق لإطلاقها، ستركّز في مرحلتها الأولى، وفق أوساط الفصائل المحسوبة على أنقرة، على المنطقة المحصورة بين نهر الفرات ومنطقة تل أبيض، الحدودية مع تركيا. وفي موازاة التدريب الذي خصعت له تلك الفصائل خلال الفترة الماضية، اتخذت تركيا عدة إجراءات في المنطقة الحدودية، تعكس استعدادها لشنّ عملية في محيط تل أبيض، وعلى رأسها إخلاء واحد من أكبر المخيمات الحدودية المقابلة للمنطقة (تشرين الأول الماضي) في أقجة قلعة التركية، التي تُعَدّ امتداداً لبلدة تل أبيض. ونقلت وكالة «فرانس برس» عن المتحدث باسم «الجيش الوطني» يوسف حمود، قوله إن «فصائل الجيش الوطني تبلغت منذ زمن (بالعملية العسكرية)، ومن قبل أن نبلّغ نُعدّ العدة».

دعت «الإدارة الذاتية» دمشق إلى الوقوف ضد التهديد التركي


وبوجود القوات الأميركية في عدد كبير من المواقع التي تتبع «قسد» في ريف الرقة الشمالي (الذي يفترض أن يكون على رأس أهداف التحرك التركي)، فإن من غير الواضح إن كانت تركيا ستكتفي بتنفيذ استهدافات مدفعية على غرار ما قامت به منذ مدة قصيرة، أو ستطلق حملة برية مرافقة بالاعتماد على الفصائل التي تدعمها. الموقف الأميركي الأول في هذا الشأن، خرج عن مصدر «رسمي»، في تصريح لوكالة «رويترز» قال فيه إن النقاط الأميركية في تلك المنطقة واضحة ومعروفة لجميع الأطراف و«أي قوة قد تهاجمها، تعرف مسبقاً أنها تهاجم الولايات المتحدة». ولا يكشف هذا التصريح الكثير عن موقف واشنطن إزاء هجوم تركي محتمل يستهدف «شركاءها» في الميدان، لا جنودها، فيما تتعامل أوساط «الوحدات» الكردية و«الاتحاد الديموقراطي» بجدية بالغة تجاه التهديد التركي. «المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» أعلن في بيان «النفير العام»، ودعا المجتمع الدولي و«التحالف الدولي» والحكومة السورية إلى الوقوف ضد خطط أنقرة؛ وكذلك فعل «حزب الاتحاد الديموقراطي»، الذي اعتبر في بيانه أن «إعلان الحرب هذا يعتبر قبل كل شيء إعلان الحرب على التحالف الدولي وبشكل خاص منه الولايات المتحدة الأميركية». وذهب المتحدث باسم «قوات سوريا الديموقراطية» نوري محمود، في حديث لوكالة «فرانس برس» إلى التأكيد أن أي عمل عسكري تركي «سيؤثر مباشرةً بمعركة هجين (ضد داعش) وستعود تلك القوات التي تحارب في هجين للدفاع عن مناطقها وعوائلها».