خصص مركز أبحاث الأمن القومي في تل أبيب مكانا بارزا في تقديره الاستراتيجي السنوي، لهذا العام، للحرب الدائرة في سوريا وسيناريوهاتها المحتملة، مع توصيات لصناع القرار الإسرائيلي، بماهية السياسات الواجب اتباعها تجاه كل سيناريو. وفي ما يأتي اهم ما جاء فيها، التي يصفها التقدير بـ «الفرص». الفرصة الأبرز، بحسب التقدير، هي أنه كلما طالت الحرب، أدت الى إضعاف سوريا أكثر، وبالتالي إضعاف قدرتها على مواجهة اسرائيل في حرب تقليدية بين جيشين.


كذلك، يتبين ان السلطة المركزية في سوريا فقدت السيطرة على أجزاء كبيرة من أراضيها، بما فيها قسم من المنطقة الحدودية مع اسرائيل، في الجولان، حيث الفوضى وعدم الاستقرار هما السائدان هناك. ويلفت التقدير إلى أن مجموعات من المعارضة تنشط في هذه المنطقة، من بينها جهات جهادية سلفية معادية بشدة لاسرائيل، ما يعني احتمال أن توجه هذه الجهات سلاحها الى الدولة العبرية، وكذلك محاولة جرها الى التدخل في الحرب السورية.
تفكيك السلاح الكيميائي الموجود في حوزة دمشق يعدّ، ايضاً، فرصة. وقد تبين ان استخدامه في الداخل، يشير الى الاستعداد لاستخدامه ضد اسرائيل. مع ذلك، فان تفكيك هذا السلاح يعني ان تهديده سينتفي إذا جرى تفكيكه بالفعل كما هو مقرر.
في الوقت نفسه، ثمة تهديد يتمثل في إمكان انزلاق سلاح متطور، كيميائي أو حتى بيولوجي، الى مجموعات متطرفة، من بينها حزب الله، ومجموعات جهادية في صفوف المعارضة. فرضية ان يتعب الطرفان المتقاتلان ويتجها نحو طاولة الحوار، اي نحو تغيير النظام، واردة ومعقولة نظرياً، لكن بنسبة متدنية جداً خلال العام المقبل. يعود ذلك الى تطور المواجهة نفسها، وتجذر طابعها الطائفي، وعدم استعداد أي من الطرفين للجلوس إلى الطاولة إلا بعد أن يكون قد سيطر ميدانياً، وبات قادراً على فرض الخضوع على الطرف الثاني في أي حل تسووي.

4 سيناريوهات

وفيما فرضية استمرار الحرب طويلا تستند إلى أساس صلب، بحسب التقدير، مقابل ضعف فرضية التدخل الخارجي وترجيح كفة طرف على آخر، فإنها ستبقى كذلك حتى العام المقبل. الأمر الذي يعني بقاء أربعة سيناريوهات معقولة للحرب، مع تعذر تقدير أرجحية أي منها:
أولاً، «سيناريو الصومال». اي استمرار الحرب بلا نهاية منظورة، وصولا الى فوضى كبيرة، شبيهة بأوضاع «الدول الفاشلة».
ثانياً، «سايكس بيكو» سوري جديد. اي تقسيم الدولة الى دول صغيرة: علوية في الساحل باتجاه دمشق؛ سنية في الشمال مع قسم من الجنوب والشرق؛ وكردية في الشمال الشرقي.
ثالثاً، انتصار النظام. وهو انتصار يتحقق بعد قتال مستمر ودموي لسنوات عدة.
رابعاً، انتصار المتمردين بعد حرب استنزاف لسنوات مقبلة.
ولأي من السيناريوهات الأربعة انعكاسات على اسرائيل ومصالحها وأمنها، برغم انه ليس بالضرورة ان تكون كل الانعكاسات سلبية.
لجهة السيناريو الصومالي، يقدّر ان تتعاظم التهديدات ازاء اسرائيل. وتحديدا من قبل المجموعات المتطرفة غير المنضبطة، برغم ان الفرصة في هذا السيناريو هي انعدام قدرة سوريا، تماما، على مواجهة اسرائيل كدولة. مع ذلك، فان حضور اللاعبين غير الدول في الساحة السورية سيتزايد، مع تعاظم إمكان انزلاق سلاح غير تقليدي باتجاهها.
أما لجهة سيناريو «سايكس بيكو»، وتقسيم سوريا كنهاية للقتال، فيقدر ان يتولّد واقع مريح لاسرائيل. ذلك أنه مقابل كل دولة صغيرة من الدول المتشكلة في سوريا، يوجد نظام مركزي يتيح لاسرائيل تركيز سياساتها عليه، كما بإمكانها أيضاً، ان تبني منظومة علاقات جيدة مع بعضها بعضاً. ومن جهة اخرى، فالدول، او الدويلات الثلاث، ستكون ضعيفة وغير قادرة على تهديد اسرائيل.
وإذا انتصر النظام بعد سنوات من القتال، فهذا يعني ان الدولة السورية ستبقى ضعيفة لمدة طويلة لاحقة، وبالتالي لن تمثل تهديداً عسكرياً مباشراً على اسرائيل، وايضاً يتقلص احتمال انزلاق سلاح غير تقليدي الى الجماعات المتطرفة، كنتيجة لهزيمتها، لكن، في الوقت نفسه، فان سيناريو انتصار النظام ينتج تهديدا من نوع آخر، لان هذا الانتصار هو انتصار لـ «محور المقاومة» بقيادة ايران، وسيؤدي الى ارتباط اكثر للنظام السوري بايران وبحزب الله، أكثر بكثير مما كان عليه قبل الحرب السورية.
السيناريو الاخير، وهو فرضية انتصار المعارضة، من شأنه ان ينتج دولة سورية ضعيفة على رأسها نظام سني، لكنها لا تمثل تهديداً عسكرياً او سياسياً لإسرائيل. ومن المنطقي، نتيجة لهذا السيناريو، الافتراض بأن محور ايران سيضعف، وسيكون النظام الجديد معادياً لها ولحزب الله. مع ذلك، قد يتيح هذا النظام لمجموعات ارهابية العمل انطلاقا من اراضيها، وخصوصاً إذا كان هذا النظام اسلامياً، تتداخل فيه جهات سلفية.

التوصيات

يرى التقدير أن إسرائيل أحسنت في عدم التدخل في الأحداث السورية. وحتى لو كانت لديها القدرة والقوة الكبيرتان على التدخل والتأثير، لكن ليس بامكانها السيطرة على نتائج هذا التدخل. وبما ان كل من السيناريوهات المقدرة لسوريا، تحمل في داخلها دلالات سلبية للمصالح الاسرائيلية، ينبغي التمسك بسياسة عدم التدخل، وضبط التصريحات، ومنع تشكّل اي صورة عن تدخل اسرائيلي ما، في سوريا.
مع ذلك، أوجدت التطورات في سوريا تهديدات يجب على اسرائيل ان تواجهها. من بينها تردي الوضع الامني على الحدود في الجولان، وتسرّب سلاح متطور الى ايدي جهات معادية، وقد أحسنت اسرائيل في وضع خطوط حمراء ازاء هذه النقطة امام النظام في سوريا، لمنعه من نقل سلاح متطور الى حزب الله في لبنان.
وترجمت الخطوط الحمراء بهجمات جوية على سوريا، نسبتها التقارير المختلفة لاسرائيل. وثمة حاجة كي تتواصل هذه السياسة مستقبلا، بما يشمل انتقال السلاح الى ايدي مجموعات متمردة سنية ذات ايديولوجيا معادية، كما ينبغي لاسرائيل ان تكون جاهزة لتدخل موقت ومحدود، داخل الاراضي السورية، ردا على احتمالات تتعلق بالسلاح غير التقليدي.
ينبغي لاسرائيل، ايضا، وردا على هذه السيناريوهات المتطرفة، ان تبذل جهودا مع الولايات المتحدة وجهات غربية اخرى، قلقة هي ايضا من انتقال سلاح غير تقليدي الى اياد معادية، ومن بين هذه الجهود، اقامة حوار ونقاش مستمر للتوصل إلى خطط عمل مشتركة، لمواجهة هذه التهديدات.
الا ان هذه التهديدات لا تنفي وجود فرص متاحة لاسرائيل، نتيجة لكل السيناريوهات الممكنة في سوريا. من جهة، ضعف الدولة السورية لسنوات طويلة، وبالتالي لم يعد منطقيا نشوب حرب شاملة بينها وبين اسرائيل. وفي موازاة ذلك، بإمكان اسرائيل ان تستغل الأوضاع في سوريا، لإقامة حوار مع لاعبين جدد في الساحة السورية، بما يشمل جهات من المتمردين انفسهم، ومع الأكراد أيضاً، الذين لا مبرر لديهم لمعاداة اسرائيل.
ومن ضمن التوصيات أيضا، إقامة قاعدة تعاون بين اسرائيل ودول الشرق الاوسط، ومن بينها تركيا، برغم تردي العلاقات معها، وكذلك التعاون مع دول مجاورة لسوريا، واخرى في الخليج، كما على اسرائيل ان تساعد الأردن على مواجهة تداعيات الحرب السورية عليها، الأمر الذي يعزز العلاقات الاستراتيجية القائمة معه.