كشخص قادم من السودان، وهي دولة تقع في إفريقيا، وهي جزء من الشرق الأوسط، أحمل على كتفي عبء أكثر المناطق «تعقيداً» حول العالم. على الأقل، هكذا يراني العالم الغربي، كما لو أنه (الغرب) لم يكن أحد العوامل الرئيسية التي أدّت إلى تعميق «التعقيدات» في المنطقة. يدرك معظم الذين أعرفهم في السودان وجود امتيازات خاصة يتمتع بها الرجل الأبيض، ولكنهم متصالحون مع هذه العقلية. فعندما يتحدثون عن حال البلاد في أعقاب الاستعمار، يتبنون الرواية الغربية تلقائياً، فضلاً عن التفاخر شبه اليومي لأبناء الجيل القديم وتحسّرهم على زمن العمل تحت إمرة «الخواجة» (في هذا السياق، الرجل الأبيض)، أستذكر مقالاً انتشر على نطاق واسع دعا علانية البريطانيين إلى احتلال السودان مجدداً و«إنقاذنا من أنفسنا». زعم كاتب المقال أن أكثر الهياكل فاعلية في مجتمعات ما بعد الاستعمار هي تلك التي أوجدها الاستعمار.

بمساعدة الازدهار الذي اكتسبته من ماضيها المرعب في المنطقة، وحربين عالميتين، وتحريفها للتاريخ واستبدال نسخة «بيضاء» به (وبالتالي جهل الشعوب الغربية بتلاعب حكوماتها بـ«دول العالم الثالث» خدمةً لمصالحها ودعمها للأنظمة الاستبدادية)، استطاعت الدول الغربية، أي دول ما بعد الكولونيالية أو ما بعد الاستعمار، أن تُعيد بناء صورتها وطرح نفسها كحامية لحقوق الإنسان وحرية التعبير والديموقراطية.
أعتقد أن هذا أحد الأسباب الرئيسية لصعود التيار القومي المتطرف في الغرب، ولا سيما بين جيل الشباب، وترسيخ الشعور بتفوق العرق الأبيض وحتمية أن يهيمن على سائر الشعوب لأنه جعل العالم «مكاناً أفضل». في المقابل، يرى هؤلاء (القوميون البيض المتطرفون) أن الآخرون (الأعراق الأخرى) يحاولون سرقة بعض السمات الحضارية منهم.
قبل فترة طويلة من «أزمة» اللاجئين التي اجتاحت أوروبا في أعقاب الربيع العربي (هذه الأزمة شكّلت تحدياً لصورة الغرب الذاتية كمعقل حقوق الإنسان)، كان معظم الفنانين والمثقفين والمفكرين الأحرار وقادة المعارضة والصحفيين من «العالم الثالث»، مثلي أنا، يتجهون غرباً ليس فقط لاكتساب العلم، بل الحماية أيضاً. هذه الحماية هي تلك المتعلقة بـ«امتياز البيض» white privilege: ليس عليك أن تكون أبيض البشرة، بل يكفي أن تكون بينهم ومرتبطاً بهم. هذا الواقع عزّز عقلية «المنقذ الأبيض» التي يروّج لها الغرب.
وبالتالي، كان يقف معظمنا بين خيارين صعبين: هل نبقى في بلادنا ونعيش تحت تهديد الأنظمة الاستبدادية، وبالتالي نخسر حريتنا؟ أم أننا نحاول الوصول إلى الغرب للعيش بحرية ونتحول إلى أدوات تروّج لعقلية «المنقذ الأبيض» (على الرغم من أن هذه الدول الغربية نفسها هي الداعم الأول للأنظمة الاستبدادية التي تقمعنا)؟
شكّلت سلطة «امتياز البيض»، حتى ولو من خلال الارتباط بالبيض، مفاجأة حقيقية لمعظم زعماء العالم، بما في ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يجري الضغط عليه لاتخاذ إجراءات بعد مقتل الصحفي السعودي في «واشنطن بوست» جمال خاشقجي، الذي «لم يكن حتى مواطناً أميركياً»، وفق توصيف ترامب.
في حين أن النظام السعودي يسجن الآلاف من المعارضين السعوديين، الذين لا اسم لهم، ويقتل الملايين في اليمن، الذين أيضاً لا اسم لهم، لم يعرف العالم سوى اسم واحد فقط: جمال خاشقجي. هذا المشهد تجسيد لمفهوم «امتياز البيض» وانعكاس للسلطة التي تكتسبها من خلال ارتباطك بالرجل الأبيض.
في الواقع، هناك عشرات الآلاف من «خاشقجي» يعملون ويموتون كل يوم، ولكن العالم لن يذكرهم. ومع ذلك، قد يُسهم خاشقجي، بفضل ارتباطه بالبيض، في رفع الستار عن قصص هؤلاء.
(عن «ذي غارديان»/ خالد البيه، فنان سوداني ورسام كاريكاتوري يعيش في الدانمارك)