يبدو أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، يستعد للعودة إلى الواجهة، بعدما أرغمته الأزمة الناجمة عن اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، على التراجع عن صدارة المشهد ريثما تنقضي «العاصفة». هذا ما أوحى به أمس إعلان المملكة أن ابن سلمان سيشارك في «قمة العشرين» المنتظرة أواخر الشهر الجاري في الأرجنتين، كجزء من جولة خارجية. إعلان يشي باطمئنان سعودي إلى فحوى «الخلاصة النهائية» المرتقب صدورها اليوم من واشنطن بشأن قضية خاشقجي، التي كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وعد بها. وهو اطمئنان يؤشر عليه أيضاً مضيّ الملك سلمان في التسويق لنجله، بعدما تولّى بنفسه العمل على تحصينه داخلياً.

وقبيل استئنافه جولته المحلية الأسبوع الجاري، التي ستتضمّن افتتاح مشروع «وعد الشمال التعديني» بتكلفة تقارب 23 مليار دولار، ألقى سلمان خطابه السنوي أمام مجلس الشورى بحضور ولي العهد. وإذ تلافى التطرّق إلى حادثة مقتل خاشقجي، مكتفياً بالإشادة بـ«نهج» المملكة في «إرساء العدل والمساواة»، والثناء على «جهود رجال القضاء والنيابة العامة في أداء الأمانة الملقاة على عاتقهم»، أفرد مساحة لإعادة تصدير خطط نجله لـ«تطوير» البلاد، وإن كان قد حرص على وضع نفسه في خلفية تلك الخطط، في رسالة مبطنة إلى الأجنحة المنافسة بأن كلمته لا تزال هي «العليا». اللافت أيضاً أن الملك اقتصر، في تعريجه على دور محمد، على تناول الجانب الاقتصادي، ما يعني أيضاً محاولة لطمأنة بقية الأجنحة إلى أن ابنه الأثير لن يبقى مطلق اليد في الجانب السياسي، إذ قال: «(إننا) وجّهنا وليّ العهد، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بالتركيز على تطوير القدرات البشرية وإعداد الجيل الجديد لوظائف المستقبل»، في إطار «مواصلة دعمنا للقطاع الخاص السعودي، وتمكينه شريكاً فاعلاً في التنمية»، مضيفاً أن بلادنا «تمرّ بتطور تنموي شامل وفقاً لخطط وبرامج رؤية المملكة 2030، التي تسير بشكل متوازٍ وتحقق أهدافها بمعدلات مرضية». وهو أمر لا يتّسق مع ما كشفته صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس، من أن «أرامكو» (عملاق النفط السعودي) ستتخلّى عن خطط إصدار سندات لتمويل صفقة «سابك» (شراء 70% من عملاق البتروكيماويات السعودي)، التي تُعدّ الحجر الأساس في إعادة إطلاق مشروع الطرح العام الأولي لـ«أرامكو»، على اعتبار أنها سترفع القيمة السوقية للأخيرة.

أعلنت ألمانيا فرض حظر أسلحة على السعودية على خلفية قضية خاشقجي


وفي موازاة الرسائل الداخلية التي تضمّنها خطاب سلمان، بدا أن ثمة رسالة مُوجّهة إلى الخارج، فحواها أن الملك مُتمسّك بولي عهده، وإن كان يعمل على استرضاء الوجوه التي أمعن الأخير في تهميشها. وهي رسالة تستبطن اعتقاداً سعودياً بأن ردّ الفعل الغربي، وتحديداً الأميركي، لن يتجاوز حدود فرض عقوبات على منفذي عملية القتل الذين حمّلتهم الرياض مسؤولية الجريمة. ولعلّ ذلك هو ما يوحي به قول وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، أمس، «(إننا) سنقرّر بأنفسنا عدداً محدداً من العقوبات سريعاً جداً بسبب ما نعرفه (عن الواقعة)»، ملمّحاً بذلك إلى أن لا نية لدى بلاده لمجاراة ألمانيا في قرارها وقف تصدير الأسلحة إلى الرياض، علماً أن باريس تحتلّ رأس قائمة المُصدّرين الأوروبيين إلى السعودية بنسبة تبلغ 60%. وكانت ألمانيا قد أعلنت حظر دخول 18 سعودياً متورطين في قتل خاشقجي إلى جميع دول منطقة «شنجن»، فضلاً عن حظر إصدار تراخيص بيع أسلحة جديدة للمملكة، وتعليق تسليم الأسلحة التي جرت الموافقة عليها سابقاً. لكن في قبالة الاطمئنان السعودي، ثمة عناصر قلق، خصوصاً من المقلب الأميركي، متمثلة في التجاذبات الحاصلة بين المؤسسات هناك على خلفية قضية خاشقجي. وهي تجاذبات لا شيء يحول دون مضيّها في خلاف ما تشتهيه الرياض، ولا سيما في ظلّ مطالبة أعضاء في الكونغرس، وكالة الاستخبارات المركزية، بنشر الأدلة المتوافرة لديها حول القضية على الملأ.