رام الله | «عليّ الضمان هالضمان ما إلو ضمان»، لافتة رفعها أحد الموظفين خلال تظاهرة لخّصت السبب الرئيسي لغضب الفلسطينيين في الضفة المحتلة واحتجاجهم المتصاعد على قانون «الضمان الاجتماعي»، الأمر الذي يعكس في الأساس أزمة الثقة بالسلطة الفلسطينية، خصوصاً مع إصرار المسؤولين عن القانون على إنفاذه «بأقصى قوة وسرعة ممكنة» من دون مراعاة زخم الاحتجاجات الواسعة.

وعلى رغم أن القانون يتصل بدخل العاملين في القطاع الخاص والعمال، فإن واقع الاقتصاد الفلسطيني تحت محددات الاحتلال الإسرائيلي تجعله معقداً أكثر. فهذا القانون كان قد أُقرّ رسمياً عام 2016 بعد مناقشات مع مؤسسات المجتمع المدني بمشاركة فصائل «منظمة التحرير» التي ارتأت تعديل بنود منه، لكن انتهى الأمر بإعلان تطبيقه بداية الشهر الجاري. وكانت المادة 42 من أبرز ما أثار الجدل، إذ تنص على أن «يكون الحد الأقصى للأجر الخاضع للتأمينات الشهرية مساوياً عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور». أيضاً، يجب على العامل دفع 7% من معاشه الشهري للضمان، فيما يدفع صاحب العمل 9%، على رغم أن مساهمة القطاع الخاص يجب أن تكون الثلثين مقابل أن يدفع العامل الثلث الثالث، وهنا يصبح من مصلحة صاحب العمل أن يبدأ الضمان، لأنه يشارك فعلياً بنسبة بسيطة، وسيتخلص من إشكالات التأمين.

«بنود ظالمة»
من جهة أخرى، أثارت «نهاية الخدمة» سخط الموظفين، إذ كان الموظف يستحق 8.3% إضافية من قيمة راتبه شهرياً من دون أن يُخصم منه شيء، لكنه بموجب القانون الجديد سيفقد هذا الحق، إذ سيُخصم 7.2% من راتبه تدخر له إلى ما بعد سن الستين. وبذلك، يكون قد خسر 15.5% من قيمة راتبه لمصلحة «مؤسسة الضمان»، علماً أنه لا يستطيع الحصول على مستحقاته قبل هذا السن، إذ لو مات مثلاً على عمر الـ58 لا يأخذ شيئاً لا هو ولا زوجته أو ورثته.
وبما أن هذا القانون سيُفرض إجبارياً على القطاع الخاص بأكمله، أُعيد إحياء أزمة الثقة بالسلطة، فالفلسطيني لا يحمل ذاكرة قصيرة، ولا تزال التساؤلات تدور حول مصير أموال طائلة ادخرها الشعب لدى «منظمة التحرير»، تحت عناوين كثيرة مثل: «مؤسسة صامد»، «ضريبة التحرير»، «صندوق الاستثمار الفلسطيني»، وحتى «صندوق جمعية أطباء الأسنان الفلسطينيين» في الكويت. الأخير مثلاً ذهبت أمواله هباء إبّان غزو صدام حسين عام 1990، ولم يحصل المشتركون فيه على مدخراتهم، والحجة كانت أن مجهولين سرقوه في الحرب. هذه الذاكرة في العقل الجمعي تمنع الفلسطينيين من ادخار أموالهم لدى أي جهة، إضافة إلى عوامل أخرى منها ضعف القدرة الشرائية، وتكبيل الموظفين بالديون والقروض.
ووفق تقديرات الموظفين، سوف يتبخر شهرياً مبلغ 200 إلى 300 شيكل (100 دولار = 360 شيكل) بسبب خصومات «الضمان». ومن البنود التي أغضبت الفلسطينيين أنه لا يحق للزوجة أن ترث الراتب التقاعدي لزوجها بعد وفاته في حال كانت تعمل تحت مظلة «الضمان الاجتماعي»، أي أن الزوج والزوجة يدفعان شهرياً لصندوق «الضمان» لكن عند وفاة أحدهما لا يحصل المتوفّى أو ورثته على المستحقات. كما أن اختيار بنك «فلسطين» ليكون الضامن للأموال كان محل احتجاج في ظل اتهامه بأنه «تابع للحكومة». ثمة بندٌ آخر ينص على حرمان الموظف حقه من «الضمان» إذا سافر. والغريب أن قطاع غزة الذي تُسيطر عليه حركة «حماس» عملياً يدخل في مجال القانون.
أما طريقة تسويق القانون، فكانت «سيئة ورديئة»، وصارت مربوطة بفكاهة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «صبّح على مصر بجنيه»، وذلك بعد مقولة وزير العمل مأمون أبو شهلا، وهو نفسه رئيس «الضمان» ويشغل أيضاً منصب نائب رئيس مجلس إدارة بنك «فلسطين»، في لقاء إذاعي: «بدل ما تصرف فلوسك على المدام والأولاد هاتهم أستثمرلك إياهم». لكنّ أول تظاهرة على دوار المنارة، وسط رام الله، لم تجعل المسؤولين يُدركون جدية الاعتراض على رغم أن الصور أظهرت وجود عشرات آلاف الغاضبين، ليخرج وكيل وزارة العمل، سامر سلامة، عبر برنامج متلفز، ويدعي أن من نزلوا في الشارع ليسوا أكثر من 1500 شخص. وسبق ذلك حملة استدعاءات شنتها الأجهزة الأمنية في الضفة ضد عدد من الناشطين والصحافيين الذين انتقدوا القانون قبل أن يصبح أصلاً قضية رأي عام.

الحراك إلى أين؟
تتصاعد موجة رفض القانون الذي يمس نحو 450 ألف عامل وموظف في الضفة وحدها، وعلى رغم أن الحكومة استطاعت إنهاء حراك المعلمين وإضرابهم قبل سنوات، فإنها تواجه واقعاً أعقد بكثير الآن، فالمتضررون من الضمان الاجتماعي يشكلون ثلثي السكان (العاملين وعائلاتهم)، وليس في مقدور السلطة مواجهة 60% من المجتمع بالآلية والسرعة اللتين واجهت بهما 5% من موظفيها، أي المدرسين. فإضراب المعلمين كان يقتصر على معلمي القطاع الحكومي، لكن الحراك الاحتجاجي الجديد يضم قطاعات واسعة ومنوعة، تشمل العاملين في المصانع، وشركات الاتصالات والتكنولوجيا، والمدارس الخاصة، والمؤسسات التجارية، والمستشفيات الخاصة، والبنوك، وشركات التأمين، وغيرها.
وعلى رغم وجود النقابات الشكلي في الضفة وغياب انتخابات شاملة لها، خصوصاً النقابات العمالية، فإن العمال استطاعوا ترتيب أنفسهم في لجان ومجموعة حراكات كبيرة ومنتشرة في مناطق الضفة كافة، الأمر الذي سيجعل من الصعب القضاء على الاحتجاج، في ظل غياب جهة معينة أو شخص محدد يمكن التفاوض معه على تنازلات مقابل امتيازات ما أو بعض التعديلات الجزئية على القانون. والحراك الحالي هو الأوسع والأضخم منذ 2007، وتقول مصادر لـ«الأخبار» إنه لا خيار أمام السلطة ومؤسسة «الضمان» سوى تعديل النمط الإجباري للقانون لسنواتٍ مقبلة على الأقل. وحتى لو تم تطبيق بعض البنود لامتصاص غضب الشارع على المدى القصير، خصوصاً أن القانون يمس بلقمة عيش الناس.