لم تكد السعودية تقدّم روايتها الرابعة في شأن مقتل الصحافي جمال خاشقجي، والتي برّأت المسؤولين المقرّبين من ولي العهد من نية القتل وادعت أن قرار التصفية اتُخذ في لحظته، حتى جاءها الردّ من تركيا، التي يبدو أنها ستواصل نهجها التصعيدي، ما لم يطرأ متغيّر من قبيل «عرض» أميركي يمكن أن يرضي أنقرة ويحملها على طيّ صفحة القضية. وأماطت صحيفة «حرييت» التركية، المقرّبة من السلطات، أمس، اللثام عن تسجيل صوتي تملكه أنقرة ينقض الرواية السعودية الجديدة من جوانب ثلاثة: أولها أن تصفية خاشقجي لم تسبقها محاولة لإقناعه بالعودة إلى السعودية، وثانيها أن الصحافي قُتل خنقاً أو شنقاً بواسطة «حبل أو كيس بلاستيكي» وليس عن طريق الحقن، أما ثالثها فهو أن فريق الاغتيال تباحث، قبل تنفيذ مهمّته، في طريقة الإعدام، و«استعرض الخطّة التي أعدّها مسبقاً ودور كل فرد فيها»، كما أنه سُجّلت له «اتصالات هاتفية إلى الخارج» بعد وقوع الجريمة.

كلّها معطيات تصبّ في اتجاه تأكيد وجود نية وخطة مسبقتين، وهو ما شدّد عليه أيضاً نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، نعمان قورتولموش، الذي جدّد مطالبة السعودية بالكشف عمَّن أعطى الأوامر بقتل خاشقجي، معتبراً أنه لا يمكن ارتكاب جريمة من هذا النوع داخل بعثة ديبلوماسية من دون «تلقّي الأوامر من مسؤولين بارزين». وقال قورتولموش، أمس، إن «الكشف عن الآمرين، وليس فقط المنفذين، هو مسؤولية السعودية بداية، ومن ثم مسؤولية المجتمع الدولي»، نافياً أن تكون تركيا قد تناولت وما زالت قضية خاشقجي «كموضوع سياسي أبداً». نفي تمسّك به، كذلك، مسؤول تركي كبير في حديث إلى «رويترز»، لدى تعليقه على ما ذكرته محطة «أن بي سي» الأميركية من أن إدارة دونالد ترامب تدرس سبل إخراج الداعية التركي فتح الله غولن، من أراضيها، بهدف إقناع الرئيس رجب طيب أردوغان بتخفيف الضغوط عن السعودية. وأشار المسؤول التركي إلى أنه «ليست لدينا نية التدخل في تحقيق خاشقجي مقابل أي مكسب سياسي أو قانوني»، مضيفاً أن «تركيا لم تعرض في أي وقت تحجيم التحقيق مقابل ترحيل غولن». ونفت الخارجية الأميركية، بدورها، وجود «صفقة» من هذا النوع، مشددة على لسان الناطقة باسمها هيذر ناورت على أنه «لا علاقة» بين الأمرين.

نفت واشنطن وأنقرة وجود علاقة بين قضيتَي خاشقجي وغولن

لكن ناورت لم تنفِ إمكانية تسليم غولن، إذ قالت: «(إننا) نواصل تحليل العناصر التي تقدمت بها الحكومة التركية من أجل دعم طلبها بتسليمه»، ما يعني بشكل أو بآخر إبقاء الباب مفتوحاً أمام احتمال إبرام «الصفقة». ومساء أمس، أُعلن عن محادثات هاتفية بين الرئيسين التركي والأميركي، تم الاتفاق خلالها على ضرورة الكشف عن ملابسات اغتيال خاشقجي، وعدم السماح بالتستّر على الحادثة. وتأتي إعادة تسليط الضوء على قضية غولن في وقت تقدّم فيه أعضاء جمهوريون وديموقراطيون في مجلس الشيوخ الأميركي بمشروع قانون لفرض عقوبات على السعودية. ويدعو المشروع، الذي أعلن عنه السيناتور بوب ميندينيز، إلى «إجراء تحقيق شفاف ومقبول في جريمة قتل خاشقجي»، ويطالب بوقف مبيعات الأسلحة للرياض، والامتناع عن إعادة تزويد طائراتها المقاتلة في اليمن بالوقود.