تونس | بعد أقل من ثلاثة أعوام على تأسيس حراك «تونس الإرادة»، أعلن ثمانون قيادياً، الأربعاء الماضي، استقالتهم جماعياً، من بينهم أعضاء هيئة سياسية وكتاب عامون وأعضاء مجالس جهوية ومحلية، ومؤسسون لـ«الحراك» تولّوا مسؤوليات في الدولة سابقاً، وكانوا من ضمن الدائرة الضيقة لرئيس الحزب منصف المرزوقي، الذي تولى منصب رئاسة الجمهورية بين عامي 2011 و2014. وفي بيان الاستقالة، قدم المنسحبون مبررات عدة، أبرزها: رفض النقد الذاتي والإصلاح، ووجود إرادة لجعل الحزب رديفاً لأحد أطراف الحكم يتلقّى الضربات نيابة عنه، ويخوض معاركه، والتركيز على الانتخابات الرئاسية على حساب التشريعية، وعدم العمل على بناء تحالفات مع «العائلة الديمقراطية الاجتماعية»، ووجود ولاءات مزدوجة، والركود الإعلامي والتنظيمي، وتجميد هياكل الحزب، وارتهان ذلك لحضور رئيسه وغيابه.

وإذ لم يصرّح البيان بأسماء الجهات التي ينتقدها، لكنه بدا واضحاً في قصد حركة «النهضة»، التي يتحاشى المرزوقي وأغلبية أعضاء «الحراك» وقيادته انتقادها، خوفاً من خسارة قواعدها الشعبية التي صوّتت لصالح المرزوقي في الانتخابات الرئاسية لعام 2014، إضافة إلى وجود قياديين انتموا سابقاً إلى «النهضة»، وما زالوا ملتزمين بمساندتها، ما خلق لديهم «ولاءً مزدوجاً».

شنّت جهات إعلامية هجوماً على المرزوقي باعتباره «عميلاً» لمحور إقليمي


علاوة على تلك المبررات المذكورة، قدم عدد من المستقيلين أسباباً أخرى، من بينها الطابع الإقليمي للتحالفات التي عقدها منصف المرزوقي، امتداداً لسياسته داخل تونس. فخلال مداخلة إذاعية، قال مدير «المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية» سابقاً، التابع لرئاسة الجمهورية، طارق الكحلاوي، إن المستقيلين يختلفون مع المرزوقي «في النظر إلى الوضع الإقليمي، خاصة دعمه الآلي لبعض الأنظمة والشخصيات من دون مسافة نقدية». وقدم الكحلاوي مثالاً على ذلك، قائلاً «يمكن أن نكون معادين للانقلاب ضد أردوغان في تركيا، لكن لا يمكن أن نصمت أمام دعمه المعروف لأطراف مسلحة تكفيرية في سوريا، يمكن أن تضرّ بالأمن في تونس». بدوره، أوضح المشرف السابق على إدارة الديوان الرئاسي، عدنان منصر، أن «تركيا دولة صديقة ساعدت تونس، لكن توجد مزايدة غير ضرورية، تتمثل في التأكيد كل مرة على دعم تركيا واتخاذ مواقف (مساندة) من شؤون داخلية (لها)». وواصل الرجل، الذي شغل سابقاً الأمانة العامة للحزب، حديثه قائلاً: «تأتي المزايدة في إبداء التعاطف، في إطار مغازلة قواعد حركة النهضة، التي لا تستطيع أحياناً التعبير عن مواقفها بوضوح، لأن عليها ضغوطاً». ورغم عدم تفاعل منصف المرزوقي مع الاتهامات التي وُجّهت إليه، واكتفائه ببيان أول من أمس، توجه فيه «إلى الذين غادرونا» بالقول «شكراً على ما قدمتم، وبالتوفيق»، لكن بعض ردود الفعل الجانبية كانت حادة. من جهة، تركزت تعليقات المقرّبين من حركة «النهضة»، ومن الخط السائد داخل «الحراك»، على التشكيك في دوافع الاستقالة ومغزاها. ومن أنصار هذا التوجه، وزير أملاك الدولة السابق، سليم بن حميدان، الذي اتهم الكحلاوي ومنصر بالانتهازية السياسية على نحو غير مباشر، حين ذكر تقلباتهما السياسية بعد سقوط نظام بن علي، والتحاقهما المتأخر بحزب المرزوقي، بعد أن أصبح الأخير رئيساً للجمهورية، ثم تخليهما عنه بعد أن تراجعت أسهمه.
من جهة أخرى، استغلت جهات إعلامية الاستقالة لشنّ هجوم على المرزوقي باعتباره «تابعاً للنهضة» و«عميلاً» لمحور إقليمي. وقد دعم أنصار هذا التوجه الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية، ويمثل الحدث بالنسبة إليهم فرصة لتصفية مرشح محتمل للانتخابات المقبلة، ومن المحتمل أن يجد نفسه في مواجهة قائد السبسي مرة أخرى.