بعد ثلاث سنوات على الأزمة التي تعصف بسوريا، بات مسيحيوها في عين العاصفة. لم يحل موقفهم المحايد منذ بداية الأزمة دون زجّهم في درب الجلجلة السوري، ولم يعد الأمر يقتصر على شعارات تُرفع في تظاهرات تحدّد لهم وجهة وحيدة: الى بيروت. مسيحيو سوريا اليوم بين قتيل ومخطوف ومهجّر ومهاجر، وكنائسهم ما بين تدنيس وتخريب وتدمير، ومدنهم وحواضرهم التاريخية تواجه خطر الاندثار.


كل هذا لم يغيّر قيد أنملة في مواقف مسيحيي «ثورة الأرز» من «الثورة الشقيقة». هؤلاء الذين لطالما دانوا الانتهاكات ضد المسيحيين في العراق وايران ونيجيريا وغيرها، يجهدون في ايجاد مبررات لممارسات «ثوار» سوريا، ولا بأس هنا من العودة الى «الجذور» المسيحية. «أنا كمسيحي معني بالاستهداف الذي يطال أي انسان»، يقول منسّق الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار فارس سعيد. ويضيف: «لا أفرّق بين مسيحي سوري ومسلم سوري. العنف غير مقبول ضد كل الناس، وليس ضد المسيحيين فقط». أما من هبّوا نصرة لراهبات معلولا المخطوفات فهم «انتهازيون واستغلاليون، ولو دافعوا سابقاً عن حمزة الخطيب وعن آلاف الجوامع التي دُمّرت لامكنهم اليوم الدفاع عن معلولا»!
يقرّ سعيد بأن ما يجري في سوريا اليوم حرب اهلية، رغم إصراره على «أنها كانت ثورة وكانت سلمية. لكن النظام نجح في تحويلها الى حرب لا مجال فيها الا للظلم والقهر». أما المسيحيون في سوريا، «فبعيداً عن النخب المتحررة، كل مسيحي له مصالح مع النظام، لذلك لم يعارض هؤلاء حكم (الرئيس بشار) الاسد لأن اطاحته تعني زوال مصالحهم الاقتصادية». ويفنّد نائب جبيل السابق «مخططات الأسد» الذي «أوحى للمسيحيين بضرورة تكاتف الأقليات لأن الثورة تستهدف هذه الأقليات»، كما أنه «تغلغل في الكنيسة الارثوذكسية وسيطر على كهنتها حتى باتت عظاتهم، في معظمها، لا عمل لها الا تبجيل العائلة الحاكمة»!
بين معاينة طبية وأخرى، يجد الامين العام لحزب القوات اللبنانية فادي سعد وقتاً للحديث عن الازمة السورية. «الحكيم» لا يبدأ الحديث قبل أن يوضح أن «موقف القوات واضح»، مذكّراً بأن أصل نشأتها كان «بسبب وجود خطر على المسيحيين». بحسب سعد: المسيحي في سوريا «غير موجود لأن لا مكان له على الخريطة السياسية». وهو، شأنه شأن منسق أمانة 14 آذار، يرفض أن يتعاطى مع الموضوع من منطلق طائفي «فهي حرب بين نظام مستبد وشعبه. والنظام يهمه تظهير ما يعانيه المسيحيون ليقول للرأي العام إنه هو من كان يحميهم». الخطر الأكبر، كما يراه سعد، ليس في تدمير الكنائس ونمو التطرف، «بل في أن يبقى المسيحيون غير فاعلين في مجتمعهم، لذلك عليهم أن يثوروا». وهو لا يرى سعد رابطاً بين تناقص عدد المسيحيين في سوريا والحرب هناك، إذ «بدأت هجرتهم منذ أيام حافظ الاسد. ومن بقي تمت حمايته باطار اقتصادي»، محمّلاً المسيحيين مسؤولية ما قد يصلون اليه، «واذا لم يغيّروا من نظرتهم للامور فسيختفون». أما عن سبل تقديم المعونة لهم؟ يردّ: «مساعدتهم تكون بأن نبقى هنا، وأن لا نغير مواقفنا من بشّار الاسد».
أمين عام ثالث، هو الكتائبي ميشال الخوري، يتفق مع ما ذهب اليه زميلاه. في مكتبه القديم، يستذكر الخوري معركة زحلة (١٩٨٠) بين القوات اللبنانية والجيش السوري. كان الضابط السوري المسؤول عن الهجوم مسيحياً»، يقول. ويضيف: «عندما هُجّر المسيحيون اللبنانيون من قراهم كان الجيش السوري يحتل أرضنا، فهل انتفض مسيحيو سوريا؟ هل ساندونا؟ كل.! رغم أن مسيحيي لبنان هم الاساس»! ليس واضحاً ما اذا كان في الأمر تشفٍّ!
بحسب الخوري، لا خاصيّة للمسيحيين السوريين. «مسيحيو الشرق كلهم في وضع دقيق». يذكّر أنه حين اتخذ المسيحيون في سوريا موقفاً موالياً للنظام «لم نعترض. ولكن لا يمكنهم أن يقفوا على الحياد. حان الوقت ليحسموا خيارهم ويشاركوا في اللعبة». يقول بصراحة: «الكتائب يهمّها الوجود المسيحي في لبنان قبل أي شيء. لا يمكننا أن نقدم شيئا الى السوريين غير الصلاة، الكنيسة هي المسؤولة أولا وأخيرا عن الاهتمام بأبنائها وليس نحن». والخوري الذي يفرّق بين المسيحي اللبناني والمسيحي السوري يرفض أن يفرّق بين مسلم ومسيحي: «كل الناس تموت في سوريا وكل الاماكن عرضة للتدمير ولم تعد هناك محرّمات». أما أكثر ما يعنيه فهو أن «يبقى المسيحيون في سوريا لا في المجمعات التجارية اللبنانية، وأن يسعوا للمشاركة في اللعبة السياسية ليكون لهم دور عندما يحين موعد التغيير».
وجهة نظر أخرى
ولكن لنائب رئيس حزب الكتائب سجعان القزي رأياً مغايراً لزملائه الآذاريين: «المسيحيون السوريون عروبيون بحكم تاريخهم والبيئة السورية، إضافة الى تولي حزب البعث الحكم، وهو حزب علماني، بمبادئه على الأقل». على عكس «التمرد المسيحي الذي لم تشهده الا مناطق جبل لبنان»، لا يشكّل مسيحيو سوريا «حالة ثورية، بل مواطنية التزمت تاريخياً التكيف مع الأنظمة، لذلك فإن موقفهم ليس مؤيداً لنظام بشار الاسد وانما لنظام سوريا كدولة»، لافتاً الى أنه «كلما زاد التطرف وطغى على المشهد، يتقرب المسيحيون أكثر من النظام».
ويرفض قزي نظرية أن المسيحي السوري لم يساند المسيحي اللبناني يوم كان الجيش السوري يصول ويجول في لبنان لأنه «لم تكن لهم قدرة على ذلك»، لذلك «لا ينبغي أن يؤدي ذلك الى معاقبتهم أو التشفّي بهم، بل تفهمهم وممارسة دورنا كرأس حربة الوجود المسيحي في الشرق». الحرب السورية «طائفية بالتأكيد»، استنادا الى القزي، «فجبهة النصرة وداعش تتعرضان للقرى الاسلامية لانها مع النظام وتنتهك حرمة المناطق المسيحية لاقتلاع هذا الوجود، ولا يجب أن نخشى من أن نوصف بالطائفيين اذا ما دافعنا عن المسيحيين». وعلى العكس من حلفائه، يخاف القزي على الوجود المسيحي في لبنان: «ما يحصل ليس مجرد حوادث أمنية بل تطورات تاريخية ومصيرية اذا ما استمرت ستؤدي الى سقوط الدور المسيحي»، وبالتأكيد «ليس من مصلحتنا أن يتسلم التكفيريون الحكم، الا أن البديل عنهم لا يكون في بقاء بشار الاسد الذي فقد فرصه في التحول حتى الى مستبد عادل».

يمكنكم متابعة ليا القزي عبر تويتر | @azzilea