لا تبدو الولايات المتحدة راضيةً عن نتائج الدستور المصري الذي أقرّ بتأييد 98% من المقترعين ونسبة مشاركة بلغت 38،6%، لأن ارتفاع نسبة التأييد والمشاركة عن دستور الـ2012 الذي أيّده 63،8% بمشاركة 33% من المقترعين، يعني غالباً حسم وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي قرار ترشحه للرئاسة، وهو ما لا تحبّذه واشنطن وشباب ثورة «25 يناير» الذين عزفوا عن المشاركة في الاستفتاء، وإن كان الرجل مدعوماً من معظم دول الخليج العربية التي سارعت إلى تهنئة مصر على إقرار الدستور.


ولدى إعلانه نتائح الاستفتاء أول من أمس، أقرّ رئيس اللجنة العليا للانتخابات نبيل صليب ضمناً بامتناع الشباب عن المشاركة، إذ قال إنه «لولا تزامن يومي الاستفتاء مع امتحانات الجامعات لزادت نسبة المشاركة». لكن ذلك لا يبدو سبباً مقنعاً في ظل نشاط الشباب المصري السياسي في السنوات الأخيرة، بل يشير إلى رفض هذه الفئة للسيسي الذي ربط بوضوح بين الاستفتاء وبين مستقبله السياسي.
الرئيس المؤقت عدلي منصور استشرف «عدم رضا» الشباب، وتوجه إليهم، في كلمته للشعب لمناسبة إقرار الدستور، أمس بالقول «لقد كنتم وقوداً لثورتي 25 يناير و30 يونيو، وأنتم مقبلون على مرحلة البناء والتمكين. ابنوا مستقبلكم، وانخرطوا في الحياة السياسية والعمل الحزبي، وكونوا على ثقة بأن غرسكم الطيب سيخرج نباته».
وقدر منصور مشاركة المرأة المصرية في الاستفتاء، مؤكداً أن مشاركتها الكثيفة تؤكد معاني كثيرة وحقوقاً واضحة، مضيفاً «أضحين رمزاً للوعي السياسي».
كذلك طالب الأحزاب بتقديم برامج فعالة وملموسة لتحدث نقلة نوعية في الوعي السياسي المصري، مؤكداً أن البقاء والنجاح في مصر سيكونان للأصلح ولمن يلبّي طموحات المصريين.
وفي أول تعليق لها على نتائج الدستور، طالبت واشنطن بإلحاق الدستور بخطوات، منها انتخاب قيادات مدنية (في غمز من قناة السيسي)، وإشراك الجميع في العملية السياسية (في إشارة إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين).
وقال وزير الخارجية الأميركي جون كيري في بيان إن «المصريين لا يزالون موقنين بأن الطريق نحو الديموقراطية يقودها مدنيون وتتسم بالتسامح وتشمل الجميع، وذلك يتطلب من قادة مصر السياسيين اتخاذ خطوات صعبة، والسعي نحو توافق واسع حول العديد من القضايا المختلف عليها».
ودعا كيري «كافة الأطراف في مصر إلى إدانة العنف ومنعه، والتحرك تجاه عملية سياسية شاملة قوامها سيادة القانون واحترام الحريات الأساسية لكل المواطنين»، حاثاً الحكومة على اتخاذ خطوات تجاه المصالحة.
واختتم كيرى بيانه المطوّل قائلاً إن الحكومة المؤقتة أكدت مراراً التزامها بعملية انتقالية تشهد توسيع الحقوق الديموقراطية، وتقود إلى حكومة مدنية، من خلال انتخابات حرة ونزيهة. والآن هو الوقت الأمثل لتحويل تلك التعهدات إلى واقع».
في مقابل ذلك، قال المتحدث باسم الجيش المصري العقيد أحمد محمد علي إن وفداً من الكونغرس الأميركي، برئاسة رئيس اللجنة الفرعية لشؤون أوروبا وآسيا دانا رورا باكر، قدم خلال لقائه وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي أمس التهنئة للجيش والشعب المصريين لمناسبة نجاح الاستفتاء على مشروع الدستور المعدل والتأسيس لمرحلة جديدة من التحول الديمقراطي الذي تشهده مصر.
كذلك التقى الوفد الأميركي أمس الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور، وأكد له دعم الكونغرس وتضامنه مع مصر، مشيداً بالالتزام بالجدول الزمني لخارطة المستقبل، على الرغم من عبء مكافحة الإرهاب»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.
عدم الارتياح الأميركي قابله ترحيب عربي وخليجي بنحو خاص، حيث تلقّت القاهرة تهانئ على إقرار الدستور من الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي وقادة الكويت والسعودية بعد البحرين التي كانت استبقت نتائج الاستفتاء. أما الإمارات فقد هنّأت مصر عبر وزير خارجيتها عبدالله بن زايد آل نهيان في ما قد يُقرأ على أنه ترحيب بإنهاء العمل بدستور «الإخوان» من جهة، وعدم ارتياح لإمكانية ترشح السيسي على أساس نتائج الدستور من جهة أخرى.
داخلياً، اتضح من نسبة المشاركة في الاستفتاء والفئات التي شاركت أن المقاطعة لم تقتصر على مناصري جماعة الإخوان المسلمين، بل شملت جزءاً كبيراً من شباب ثورة «25 يناير» التي أسقطت الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذين باتوا يعتقدون أن ما يجري الآن هو نوع من الثورة المضادة لثورتهم، خاصة مع إصدار السلطات المؤقتة لقانون التظاهر وتوقيف بعض الناشطين البارزين وإحالتهم على المحاكمة بتهمة مخالفة هذا القانون، مثل علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر مؤسس حركة 6 «ابريل»، فضلاً عن اعتماد السلطات لحملات إعلامية غلبت عليها لهجة مناهضة للثورة التي أطاحت مبارك.
وفي إشارة تؤكد أن السلطات المصرية لا تعتزم تخفيف الحملة على «الإخوان»، قرر القضاء المصري توجيه تهمة جديدة للرئيس المعزول محمد مرسي. وقال مصدر قضائي أمس إن مرسي (الذي يحاكم بعدة تهم منها التحريض على العنف) و25 شخصاً آخرين سيحاكمون بتهم إهانة القضاء.
وبالتزامن، قررت نيابة أمن الدولة إحالة محمد سعيد، نجل شقيق مرسي، و12 طالباً جامعياً من زملائه على محكمة الجنايات، لاتهامهم بالشروع في قتل عميد كلية الصيدلة في الزقازيق الدكتور عبد الشنواني، وخرق قانون التظاهر وإثارة الشغب داخل الحرم الجامعي.
وأصيب الشنواني بأزمة قلبية نقل على إثرها إلى العناية المركزة بعد أن اعتدى عليه عشرات الطلاب في جامعة الزقازيق بالضرب والسب ونثروا في وجهه رذاذاً حارقاً لأنه قابل مطلبهم بالإفراج عن زملائهم المحبوسين بالتأكيد أن ذلك من اختصاص الأمن.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، الأناضول)