دخلت مصر عهداً جديداً بعد إتمام الخطوة الأولى من خريطة الطريق التي وضعتها السلطات إثر عزل الرئيس محمد مرسي في الثالث من تموز الماضي، وبدأت فعلياً بالتخطيط لإجراءات «تتناسب مع المرحلة الجديدة بعد الدستور» تشمل تعديلاً وزارياً قد يطاول تسعة وزراء، على ما كشفت مصادر مسؤولة لـ«الأخبار».

وبعد يومٍ دامٍ، مرّ اليوم الثاني والأخير من الاستفتاء بهدوء ملحوظ، في ما بدا أنه يأس من قبل أنصار مرسي الذين توعدوا بعرقلة الاستفتاء.

وأعلنت الحكومة قبل إغلاق الصناديق بساعات أن نسبة التصويت تجاوزت الـ50% ممن يحق لهم الإدلاء بأصواتهم، فيما أعربت الولايات المتحدة عن «أملها» في أن يكون الاستفتاء على الدستور المصري «عملية شفافة وخاضعة للمحاسبة».
لكن السلطات المصرية التي دأبت على رفض أي تدخل خارجي، تبدو واثقةً من أن هذا الاستفتاء هو إعلان لنهاية جماعة الإخوان المسلمين في مصر، متوعدةً بأن دور حركة حماس الفلسطينية هو التالي بعد «سحق الإخوان في الداخل».
وكشفت مصادر حكومية مصرية لـ«الأخبار» أن «تعديلاً وزارياً سيكون على رأس الإجراءات التي ستتخذها السلطات تناسباً مع المرحلة الجديدة بعد الدستور»، موضحةً أن التعديل قد يشمل 9 وزراء، بعضهم من القطاعات السياسية والاقتصادية.
ولم تستبعد المصادر أن يكون وزير الداخلية، محمد علي إبراهيم، من بين المستبعدين من مناصبهم بالحكومة، مبررة ذلك بأنه «رغم الأداء الجيد للشرطة لفرض السيطرة على الشارع المصري، إلا أن العديد من التصرفات سببت إحراجاً للحكومة». ولفتت إلى ما أشار إليه وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، في حديثه خلال احتفالية المولد النبوي لوزير الداخلية قائلاً: «انتوا شادين حيلكم على الناس شوية».
وأعربت المصادر أن التعديل الوزاري سيكون لضخ دماء جديدة في الحكومة وتحسين صورتها لدى الشارع المصري، موضحة «أن ذلك لا يعني بالضرورة تغير سياسات الحكومة الاقتصادية أو السياسية، وخاصة في ما يتعلق بالتعامل مع الإخوان التي أعلنتها الحكومة منظمة إرهابية».
ومن بين الأسماء المطروحة بقوة خلال التعديلات الوزارية، نائب رئيس الوزراء، زياد بهاء الدين، بعد خلافات طويلة له مع السياسات الأمنية للحكومة، وخلافاته مع وزير الداخلية الحالي عقب إقرار الحكومة لقانون التظاهر.
بينما أكدت مصادر ذات صلة بمؤسسة الرئاسة لـ«الأخبار» أنّ من الممكن أن يُقدِّم رئيس الوزراء حازم الببلاوي طلباً لإعفائه من منصبه، وهي النية التي عبَّر عنها كثيراً للرئيس المؤقت عدلي منصور، علماً بأنه كان هناك اتفاق لتأجيل ذلك لما بعد الاستفتاء على الدستور أو إجراء الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية.
وتدور أحاديث داخل مجلس الوزراء عن ترشيح أحد وزراء المجموعة الاقتصادية في حكومة الببلاوي بقوة لقيادة الحكومة المقبلة، ومن بين الأسماء المتداولة وزير الإسكان إبراهيم محلب الذي كان قد تولى رئاسة شركة المقاولين العرب، وهي أكبر قطاع للإنشاءات والمقاولات في مصر، لما لديه من الخبرة الاقتصادية والإنمائية التي تحتاجها هذه المرحلة.
وأغلقت أمس صناديق الاقتراع في انتظار إعلان النتائج التي يبدو أنها محسومة لمصلحة الدستور الجديد وسط مشاركة كثيفة ولافتة من النساء بشكل خاص، وهن اللواتي جرى التركيز عليهن منذ أن خصهن وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بالدعوة للمشاركة في الاستفتاء. وأعلنت الحكومة أن نسبة مشاركة السيدات في اليوم الأول من الاستفتاء وصلت إلى 55% مقابل 45% للرجال». وقالت مبادرة «فؤادة ووتش» لمراقبة قضايا المرأة، إن النساء حافظن على المركز الأول في المشاركة والإقبال لليوم الثاني على التوالي في الاستفتاء، في وقت وجهت فيه الرئاسة التحية لهن، وقال مستشار الشؤون السياسية والاستراتيجية للرئاسة مصطفى حجازي: «سيدات وأمهات مصر، أنتن تاج الرؤوس وبشارة الأمل في هذا الوطن».
وعلى هامش مؤتمر للمانحين من أجل سوريا في الكويت، أعرب وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن الأمل في أن يكون الاستفتاء عملية «شفافة وخاضعة للمحاسبة، وأن تعطي الثقة للناس بأنهم يسيرون على الطريق التي وعدوا بها»، مضيفاً: «إلا أننا لا نعرف ذلك بعد».
وقبل انتهاء التصويت بساعات، قال الناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء هاني صلاح «إن عملية الاستفتاء تسير بنحو طبيعي، من دون أي معوقات عدا محاولات محدود في عدد من المدن لإرباك عملية الاستفتاء وتعطيلها وجرى التعامل معها أمنياً وفقاً للقانون».
وقالت وزارة الداخلية إن القوات المكلفة تأمين لجان الاستفتاء «ألقت القبض على 249 شخصاً ينتمون إلى الإخوان، بينهم 4 سوريين، بتهمة تعطيل عملية التصويت»، مشيرةً إلى أنها ضبطت أسلحة معهم.
بدوره، قال الببلاوي إن الاستفتاء شهد إقبالًا ملحوظًا، وإن «الواقع أقوى من كل شيء ولا يمكن إنكاره»، مؤكداً أنه «مع ظهور نتيجة الاستفتاء سيجعل الكثير من المواقف المتشددة تعيد النظر، ولا بد من الاعتراف بالواقع».
وأكد في مؤتمر صحفي أمس أنه لن يُحدَّد ميعاد لإجراء الانتخابات الرئاسية أولاً أو البرلمانية إلا بعد الانتهاء من الاستفتاء على الدستور، مشيراً إلى «أن الشعب المصري انتهز فرصة الاستفتاء على الدستور ليثبت للعالم أجمع أن مصر عادت إلى أهلها».
من جهتها أعلنت وزارة الصحة والسكان أمس أن اليوم الثاني من الاستفتاء لم يشهد وقوع أي حالة وفاة، مشيرة إلى تعرض شخص في محافظة أسيوط «للإغماء». وفي السياق، قال مسؤولون أمنيون كبار في مصر لوكالة «رويترز» إنه بعد سحق «الإخوان» في الداخل، فإن السلطة التي يدعمها الجيش تخطط لإضعاف حركة المقاومة الإسلامية «حماس» من خلال دعم الأنشطة الشعبية المناهضة لها في قطاع غزة من قبل نشطاء ينظمون احتجاجات مماثلة لتلك التي أدت إلى سقوط رئيسين في مصر منذ عام 2011.
وقال مسؤول أمني رفيع المستوى طلب عدم نشر اسمه بسبب حساسية الموضوع إن «غزة هي التالية». وأضاف: «لا يمكننا أن نتحرر من إرهاب الإخوان في مصر دون وضع نهاية له في غزة الواقعة على حدودنا». وأضاف مسؤول ثانٍ: «سوف يأتي يومهم». وتابع: «نعرف أن حماس هي الإخوان وأن (أعضاء) الإخوان إرهابيون، ولا يمكن أي بلد أن يتطور مع وجود إرهابيين فيه».
وفي رد على تلك التهديدات، استهزأت الحركة بما جاء على لسان المسؤولين المصريين، مشيرةً إلى أنها أضغاث أحلام.
وقال المتحدث الرسمي باسم الحركة سامي أبو زهري: «يجب ألّا يحلم أحد بإضعاف حماس»، مؤكداً أن تلك «التعليقات تبين أن القاهرة تحرض على العنف وتحاول إثارة الفوضى». وشدد على أن الحركة «لم ولن تتدخل في الشؤون المصرية».
(أ ف ب، الأناضول، رويترز)