كأنّنا في عام 2011 ـ 2012؛ الحملة الإعلامية النفسية الموجهة لزعزعة معنويات الوطنيين السوريين والعرب تتصاعد، في الفضائيات والصحافة والمواقع الإخبارية والمقالات وتقارير الدبلوماسيين و«الخبراء» والمناقشات في الصالونات؛ إنها السردية القديمة ــ الجديدة: «الأسد انتهى وسوريا إلى التقسيم»، يكتبها أحدهم في صحيفة حاقدة، متلذذاً بما هبط عليه من إلهام و«معلومات»! هل سيكون علينا أن ننتظر «ويكيليكس» المقبل، لكي نعرف كم مليوناً تم إنفاقه على هذه الحملة ووسائلها وأدواتها وكتّابها. كلا؛ فاللعب، الآن، على المكشوف؛ فكل ما يُكتَب ويقال ويُسرَّب، منسَّقٌ مع هجمات تنظيمات «الموك» و«النصرة» و«داعش».


إرهابٌ في إرهاب: قلم الصحافي وسكّين قاطع الرؤوس، الفضائية والسيّارة المفخّخة، «المفكّر» وفقيه الإرهاب، الوهّابي والليبرالي، «العربي» والصهيوني، المثقف بربطة العنق والسيجار والداعشيّ، السياسي الرصين وعضو المجلس الشرعيّ في «النصرة»؛ إنها شبكةٌ واحدة، تنتظر توجيهات خادم الحرمين، المرعوب، ربما أكثر من رعب الإسرائيلي، من انتصار سوريا، لأنه يعني نهاية آل سعود، وتجديد المقاومة، بينما تتابع واشنطن المشهد بدهاء المجرم العتيق؛ تستنزف أعداءها وحلفاءها معاً!
حسناً، ليكن؛ ها نحن نؤكد الرهان، ثانيةً، كما كنا نراهن منذ ربيع عام 2011 الأسود: الرئيس بشار الأسد... باقٍ ــ وأعمارُ الغزاةِ قصارُ ــ وفي قصر الشعب في دمشق، وعلى رأس الجمهورية العصيّة على التقسيم والانقسام والسقوط.
وفي رهاننا، معطياتٌ ووقائعُ وإيمانٌ معاً:
أولاً، هذه الحرب ليست محدودةً بسوريا؛ إنها حرب محورين دوليين ــ إقليميين، حربٌ عالمية لا تتوقف حصيلتها الكبرى على الاجتياح الإرهابي لمدينة أو موقع، هنا أو هناك، بل على موازين القوى ومسارات الصراع في الحرب العالمية المحتدمة، نصف الساخنة ــ نصف الباردة؛ فتعالوا ننظر في أوضاع أعدائنا وحلفائنا، ونحدد أين هي القوى الصاعدة وأين هي القوى المتراجعة؟
ــ في الولايات المتحدة أزمة شاملة، أزمة هيمنة تتقلّص بصورة تراجيدية، في المنافسة الاقتصادية، العلمية والتقنية والصناعية والمالية، مع الصين بخاصة، ومع دول البريكس بعامة، ما يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها: النفط الصخري بدلاً من نفط السعودية، والمنافسة العسكرية مع روسيا، ومحاصرة هذه القاطرة التي تقود التحولات الدولية نحو التعددية القطبية، والسعي إلى التفاهم مع العقلانية الإيرانية للحيلولة دون توجهها لعلاقات استراتيجية مع الروس، وللبحث عن حلول وتسويات ممكنة لأزمات الشرق الأوسط، وخصوصاً دحر الوحش الإرهابي الذي أنتجته واشنطن، وخرج، الآن، من القمقم.
ــ في السعودية، انقلابُ قصرٍ معزول، هزّ تماسك العائلة الحاكمة والنظام وتحالفاته الداخلية، بينما المملكة متورطةٌ في مستنقع عدوانها على اليمن، وغارقةٌ في مستنقع الإرهاب حتى الأذنين، وفي هواجس الاعتراف الدولي بإيران كقوة إقليمية كبرى، لا تعرف أين تلوذ من نيران التشقق الداخلي، وصحوة اليمنيين في نجران وجيزان وعسير، والانتفاضة الشيعية المقبلة في المحافظات الشرقية، والحواضن الاجتماعية الثقافية الإرهابية وخلايا «داعش» النائمة، وتهديداتها على الحدود، وفتور مع الحليف الأميركيّ مردّه حرب السعودية على شركات النفط الصخري الأميركية، وتمادي الرياض في نهج الإرهاب الطائفي والتكفيري، خارج الخط المرسوم، على نحو أصبح محرجاً، والأهم أنه أصبح يمثّل خطراً جدياً على أوروبا.
ــ وفي تركيا، انقلابٌ في السياسة الداخلية، شلّ المشروع العثماني الجديد، ووضع العصابة الأردوغانية الإخوانية بين خيارين لا ثالث لهما: فكّ الارتباط مع الإرهاب ووقف التدخّل في سوريا أو التدحرج نحو انشقاق داخلي مفتوح على العنف.
ــ الإخونج في حالة اندحار شامل، بدأ في مصر في 30 حزيران 2013، ثم تفاقم في سياق الاندثار؛ فبعد تجربة «الربيع العربي» المرّة، والفشل الإخونجي في توفير بديل عقلاني، واندماج الإخونج في الإرهاب، لم يعد القسم الرئيسي من الرأي العام العربي يثق بهم، ولم تعد الأنظمة تحتاج إليهم، ولم يعد الأميركيون ينظرون إليهم بجدية، كقوة كفوءة لإدارة العالم العربي. يعني ذلك خسارة قطر لذراعها السياسية الرئيسية، بعدما خسرت مصداقية وتأثير أذرعها الإعلامية.
ــ وفي الأردن ــ بلد الانشقاقات المتراكمة، ديموغرافياً واجتماعياً وسياسياً، وبلد اللاجئين، وبلد العجز المالي المزمن ــ مغامرةٌ ضبابيةٌ معزولةٌ، شعبياً وسياسياً، تتجاوز قدرات النظام والدولة والبلد، وتثير العواصف الداخلية قبل الخارجية، وتقاتل في سوريا، ضمن البرنامج السياسي الأميركي لتعديل موازين القوى والتفاوض، لكن عينها على الحجاز، فرصةً أو شبح فرصة أو نكايةً بالرياض المصرّة على إذلال الهاشميين.
في المقابل، كيف تبدو الحال لدى حلفائنا؟
ــ تجاوزت روسيا، على الضد من جميع التوقعات الغربية، أزمة العقوبات الاقتصادية، وأعادت تشغيل اقتصادها، بل والسير في المشروعات الداخلية والخارجية الكبرى، قُدُماً. إمكانات الاتحاد الروسي هائلة، في الطاقة والصناعة والزراعة، وقد بدأ، بالفعل، تفعيل إنتاجية هذه الامكانات، وخصوصاً في الصناعات الدفاعية التي حققت، مؤخراً، قفزات نوعية. تتعزز شعبية الرئيس فلاديمير بوتن، وتتعزز البوتنية كنهج استقلالي تنموي دفاعي، وتتعمق علاقات موسكو مع حلفائها في البريكس وخارجها.
ــ إيران، اليوم، قوة سياسية وعسكرية واقتصادية، فرضت نفسها بجهودها وكدّها، وحققت إنجازات تنموية وطنية حقيقية ــ بعكس البالون النيوليبرالي التركي الزائف، القائم على الخصخصة والمديونية ــ وهي أظهرت قدراً كبيراً من القدرة على إدارة التسويات الداخلية بين الاتجاهات والتيارات، وإدارة السياسة الخارجية، وفقاً لمبادئ القانون الدولي والعقلانية والنزعة نحو الحلول الوسط. وسواء أتمّ الاتفاق النووي مع الغرب أم لا، فإننا سنشهد، قريباً، انكسار طوق العقوبات والعزلة عن الجمهورية الاسلامية التي يزداد نفوذها الإقليمي، وسيكون لديها، عمّا قليل، الفوائض المالية الكافية لإطلاق برامج تنموية محلية وإقليمية.
ــ وهل يحتاج الصعود الصيني إلى إيضاح؟ يكفي أن نشير إلى أن بكين تملك من الذهب، اليوم، ما يمكنها من تحطيم الدولار في ساعتين، بينما تتصاعد قدراتها الدفاعية، ويتعزز تحالفها السياسي مع موسكو وطهران.
سوريا، والرئيس الأسد، بالنسبة إلى روسيا والصين وإيران، رهان على انتصار عالمي.
ولاحظوا أننا لم نتحدث بعد عن الجيش والمقاومة والشعب السوري والرصيد الوطني الكبير المختَزن في أضلاع التاريخ القديم والحديث لسوريا. وهذا كنز استراتيجي سوف نتحدث عنه بالتفصيل في المقال الآتي.