تونس | بعد ستة أيام من اختطاف بعثتها الدبلوماسيّة في ليبيا من طرف ميليشيا تابعة لقوات «فجر ليبيا» إثر اقتحام القنصليّة العامة في طرابلس، خضعت تونس لشروط الخاطفين المتلخّصة في الإفراج عن القيادي في «فجر ليبيا»، وليد القليب، المسجون في تونس منذ 17 أيار (مايو) الماضي بسبب تهم متعلّقة بأعمال إرهابية وصدور بطاقة جلب دولية بحقّه، فضلاً عن الاشتباه في تورطه بالمشاركة في إقامة معتقلات ومعسكرات بليبيا لاحتجاز مدنيين من بينهم تونسيون.


صفقة التبادل التي جرت بين الجانب التونسي وعائلة القيادي في قوات «فجر ليبيا»، وليد القليب، كانت تحت غطاء قانوني تمثّل في اللجوء إلى اتفاقيّة تسليم قضائيّة بين تونس وليبيا موقعة منذ عام 1961. وقررت محكمة الاستئناف التونسية، في جلسة التأمت الأربعاء ليلا، تسليم القليب بصفة مؤقّتة للسلطات الليبية.
في بداية المفاوضات كان الجانب التونسي متشبّثاً بالافراج عن البعثة التونسية المختطفة دون أي شروط، ولكن مع مرور الوقت وتأكّده من أن الخاطفين غير مستعدين لهذه الفرضية برغم الضغوط الكبيرة، قبِل الإفراج عن وليد القليب وبدأ البحث عن مخرج قانوني للأزمة يمثّل غطاء لتسليم متّهم بقضايا إرهابية، وذلك حتى تتلافى الحكومة قدر الإمكان الاتهامات بالتدخّل في عمل السّلطة القضائيّة.

في البداية كان
الجانب التونسي متشبّثاً بالافراج عن البعثة دون أي شروط

وقال المتحدث الرّسمي بإسم المحكمة التونسية، كريم الشابي، في تصريحات إعلاميّة، إن محكمة الاستئناف اتخذت هذا القرار بعد النظر في طلب التسليم الذي قدمته السلطات الليبية، بناء على الإتفاقية المبرمة بين تونس وليبيا بخصوص تسليم المجرمين، فيما يبقى التسليم الفعلي رهين بعض الإجراءات الأخرى وخاصة توقيع رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، القرار.  
وأكّد محامي القيادي في «فجر ليبيا»، فيصل بن جعفر، أنّه «إلى حدّ الساعة (مساء أمس)» لم يتم تسليم وليد القليب، وهو لا يزال بصدد استكمال الاجراءات القانونية. وقال في تصريح لـ»الأخبار»، «أتوقع أن يتم ترحيله جواً إلى ليبيا اليوم (الجمعة) نظراً لاستحالة نقله برّا لوجود تهديدات يمكن أن تشكّل خطرا على حياته».
في المقابل، قال الناشط الحقوقي المختص في الشأن الليبي، مصطفى عبد الكبير، في حديث إلى «الأخبار»، انه أُفرج عن البعثة المختطفة في ليبيا أمس الخميس، وذلك في وقت تجنّبت فيه وزارة الخارجيّة التونسية تأكيد الخبر، مكتفية بالقول على لسان المتحدث الرّسمي بإسمها، مختار الشواشي، في إتصال مع»الأخبار»، إنه لا يمكن تأكيد إطلاق أفراد البعثة إلا عند تواجد أفرادها داخل القنصليّة.
من جهة أخرى، نفى رئيس الحكومة التونسية، الحبيب الصيد، الإفراج عن الدبلوماسيين التونسيين. وقال، خلال ندوة صحافية عقدها في مقر الحكومة، إن «عملية الإفراج لم تتم بعد وهي في طور الانجاز»، لافتاً إلى أن العملية «بلغت مراحل متقدمة». وحول تسليم الحكومة التونسية لوليد القليب، نفى الحبيب الصيد أن يكون التسليم قد جرى في إطار صفقة بين الطرفين، وقال: «إن جرى تسليم القليب فسيكون في إطار قانوني».
عموماً، جاء قرار التسليم بعد 6 أيام فقط من رفض المحكمة نفسها الإفراج عن وليد القليب، وكان هذا الرّفض السبب خلف اختطاف ميليشيا يقودها طه القليب (أخ وليد القليب) لعشرة موظفين في القنصليّة التونسية في طرابلس من بينهم نائب القنصل العام، مما يؤكّد أن القرار سياسي بالأساس لتشبّث المختطفين بالافراج عن القليب كشرط لإفراجهم عن البعثة التونسيّة.
وفي حديث إلى «الأخبار»، تقول رئيسة نقابة القضاة، روضة القرافي، «إلى حد الساعة لم أطلع على ملف القضية وحيثياتها، لكن من الواضح أن هناك تدخّلا في (عمل) السلطة القضائية من طرف السلطة التنفيذية وهذا ضرب لاستقلاليّة القضاء التي نسعى لتحقيقها منذ أكثر 4 سنوات، وفي الأيام المقبلة ستتضح الصورة أكثر وسنتخذ القرارات المناسبة».
من خلال هذا الحل «القانوني» الذي لم تجد الحكومة التونسية غيره للإفراج عن موظفيها المحتجزين في ليبيا، تكون السلطة التنفيذية في تونس قد أتاحت للمعارضين لها فرصة لتوجيه أسهم الانتقادات لها، وذلك من باب تدخّلها في عمل السلطة القضائيّة وقراراتها والتفاوض مع ميليشيا إرهابيّة والموافقة على مطالبها. وهو الأمر الذي قد يفتح الباب بشكل أوسع أمام عمليات اختطاف إضافية لتونسيين في ليبيا بهدف المقايضة بهم.
ويُذكر أنه وفور إلقاء القبض على وليد القليب، قبل أسابيع، ردّت الميليشيا نفسها باحتجاز أكثر من 200 تونسي يعملون في ليبيا لأكثر من عشرة أيام وطالبت بالإفراج عن القليب ولكنها أطلقتهم بعد تلقيها وعودا من جهات تونسية بتسوية الموضوع، وفور رفض المحكمة الإفراج عنه منذ قرابة أسبوع جرى احتجاز كل موظفي القنصليّة.

الائتلاف الحكومي يعد بمبادرة وطنية

أعلنت تنسيقية الائتلاف الحكومي في تونس (الأخبار)، مساء أول من أمس، اعتزام رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، إطلاق مبادرة وطنية قريباً «من أجل تحقيق توافق وطني وإرساء هدنة اجتماعية»، داعية كافة التونسيين إلى وقف الإضرابات.
وقال عضو التنسيقية، محسن حسن، في مؤتمر صحافي عقب اجتماع الائتلاف، إن «رئاسة الجمهورية ستعلن مبادرة وطنية تجمع كل التونسيين، وتحقق التوافق الوطني اقتصادياً واجتماعياً». وأضاف حسن أن «الوضع الذي تعيشه البلاد لم يعد يهم النقابات والمنظمات العمالية فقط، بل كل الأطراف الوطنية، وذلك إثر تأزم الوضع الاجتماعي والاقتصادي»، مؤكداً على ضرورة الوقف الفوري للإضرابات التي شملت قطاعات حساسة على غرار الصحة والتعليم ما يزيد في تعقيد الأوضاع، وفق قوله.
ومن جهة أخرى، أكد عضو تنسيقية الائتلاف الحاكم، أن ملف مكافحة الإرهاب «يظل دائماً من أولويات الحكومة لذلك يجب تعبئة كل إمكانيات الدولة لدعم المؤسستين الأمنية والعسكرية». وتتشكل تنسيقية الائتلاف الحكومي، الحاكم، من حزب «نداء تونس» و»حركة النهضة» إضافة الى حزبي «آفاق تونس» و»الاتحاد الوطني الحر».