طبول حرب «الإلغاء الجهادية» بدأت تقرع على الأراضي الأفغانية. حركة طالبان تعاني من الممارسات المستمرة لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف بـ»داعش»، وانشقاق عناصر الحركة لصالح التنظيم. وفي سعيها لتأخير مواقيت اندلاع المعارك بين الطرفين، أرسل مجلس شورى قيادة طالبان بشخص نائب أمير «الإمارة الإسلامية» ملا أختر محمد منصور، إلى زعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي، رسالةً لـ»إلقاء الحجة الشرعية»، ومحاولة أخيرة لضبط «البيت الجهادي الأفغاني». وذلك كي لا يتكرر سيناريو جديد من حروب «الردة الجهادية» بين حليف «تنظيم قاعدة الجهاد العالمي» (حركة طالبان) وتنظيم داعش في أفغانستان.


وتضمنت الرسالة أكثر من لهجة بين تهديدٍ ونصحٍ لـ»داعش». إلا أن فحواها كان واضحاً برفض زعيم «طالبان» الملا محمد عمر فكرة تمدد تنظيم «الدولة» في المناطق الواقعة تحت سيطرته، وتمسكه بقراره: ضرورة إبقاء «الصف الجهادي الأفغاني على وحدته، وعدم القبول بتجزئته».

أرسل مجلس
شورى قيادة طالبان رسالة إلى البغدادي لإلقاء الحجة
ووصفت الرسالة بلاد الأفغان بـ»الحصن المنيع»، فرموز وقادة «التيار السلفي الجهادي» المعاصر من عبد الله عزام، وأسامة بن لادن، إلى أبي مصعب الزرقاوي، هم تلامذة «المدرسة الجهادية الأفغانية».
وأخذت الرسالة أكثر من شكل في سياق تعبيرها عن قرار طالبان. ورغم مبايعة رموز «التيار السلفي الجهادي» للملا عمر بحسب منصور، فإن طالبان تود الحفاظ على رابط «الأخوة الدينية» مع تنظيم «الدولة»، والتعامل بالمثل معه، وإبداء النصيحة والمشورة المتبادلة. ونصح منصور البغدادي بمتابعة أخبار الحركة على قاعدة «لا تسمعوا عنا بل اسمعوا منا»، لتزداد الثقة بين الطرفين.
وعززت الرسالة الخوف الذي يسيطر على قيادة طالبان من الانشقاقات الداخلية فيها لصالح داعش، والتي تعود أسبابها بحسب مصدر متابع إلى فكر تنظيم «الدولة» وإنجازاتها بتحقيق حلم «بن لادن» بإقامة «الدولة الإسلامية». ويقدم القادة الطالبانيون العرب أو «المهاجرون» الذين انشقوا أخيراً هذه الأفكار، وهم أصحاب تأثير كبير في العناصر الأفغانية. ويضيف المصدر إن هؤلاء القادة تغلغلوا في المناطق القبلية الفقيرة التي تؤيد طالبان شكلاً، واستطاعوا مع توافر الإمكانات المادية، وخصوصاً المالية، تحقيق ارتفاع نسبة «البيعات للبغدادي».
ورغم مدح منصور البغدادي وجنوده، معتبراً أنهم «مقاتلون للاحتلال الأميركي»، إلا أنّه شبّه ممارسات داعش بشكلٍ غير مباشر بـ»ممارسات الاحتلال الأميركي». وصنّف كل من يخالف توجه الملا عمر في خانة «لعب دور المحتل» الساعي إلى تفتيت «الصف الجهادي». ووصف منصور المرحلة بـ»الحساسة»، وخاطب البغدادي قائلاً إنه «لا ينبغي أن تقدِموا على عمل يفرق قيادة المجاهدين... وتتحقق به آمال أعدائنا».
وكعادة الرسائل المتبادلة بين التنظيمات السلفية المسلحة التي تغطّي قرارها بأوجه «دينية وشرعية»، فإن طالبان أفتت بعدم جواز «التفرقة»، استناداً الى آيات قرآنية وأحاديث نبوية، إضافةً إلى غياب الضرورة «الشرعية والعقلية» لخلق صف مواز لهم في البلاد، «فمصلحة الإسلام والجهاد والمجاهدين تقتضي ذلك». وعلل منصور في رسالته سبب تركيز طالبان «منذ البداية على وحدة الصف الجهادي ورصه ضد الكفر العالمي»، لتجنب «خيبة آمال الأمة الإسلامية التي عقدت على جهادنا».
الرسالة أظهرت عدم معرفة قيادة داعش بالخصوصية الأفغانية، إذ لفت منصور الى أن المجتمع الأفغاني «دوماً تحيط به الاختلافات الداخلية، ومع القيادة الواحدة فإنّ احتمال ذلك ينتفي»، مؤكداً على ضرورة مساعدة داعش لطالبان في الحفاظ على «قوة ووحدة الصف، وأن لا أن تتّخذوا من مكان بعيد تلك القرارات». وحذرت طالبان داعش في رسالتها من أنها تنوي اقتلاع أي حركة «جهادية تخرج عنها»، فهي، بحسب منصور «قضت على جميع مؤامرات الاختلاف والتفرّق بوحدة صفها»، وإن أي مسعى «لإيجاد صف جهادي آخر» سيكون «جُهداً متعّمداً لتهيئة الأرضية لزرع فتن الاختلاف والتفرق».
تحذير طالبان لـ»داعش» جاء على خلفية تعاطي داعش مع «الحركات الجهادية» في مختلف أنحاء العالم، فـ»التنظيمات والشخصيات الإسلامية قدموا تضحيات كثيرة، ونسقوا صفوفهم، فنشير عليكم بأن لا تهيئوا لهذه الحركات ظروفاً تحدث الزعزعة فيهم، فيقعوا في الخلافات الداخلية التي تؤدي إلى سفك الدماء بغير حق». كما طلبت طالبان من «الحركات الجهادية العالمية» دعمها والوقوف بوجه من يحاول شق صفها وزعزعته، آملةً بانتصار قريب ضدّ «الصليبيين المحتلّين»، وبمزيد من الإنجازات في العام الجاري.
«المسألة هي مسألة وقت»، هذا ما يؤكده المصدر. طالبان تستشعر بخطر داعش ومن ممارسات عناصره المتزايدة، و»الحرب أمر غير مستبعد، وسيحسم الوقت هذا الأمر».