تونس | الشوارع صبيحة أول يوم من أيام رمضان لم تخلُ من حركة وازدحام، وإن بوتيرة أقل مقارنة بصباحات الأيام القائظة التي تعرفها تونس، العاصمة. وهي المدينة التي لا تكلّ ولا تمل من استقبال الموظفين والتجار والزائرين وسواقي "التاكسي" والباعة المتجولين، الذين واصلوا جميعهم، أمس، أنشطتهم برغم ارتفاع حرارة الطقس والصيام.


قد يكون الفرق الأوضح بين بقية الأيام وهذا اليوم، وما سيليه من أيام "الشهر الكريم"، هو خلوّ الشوارع نفسها من الحركة تماماً ساعات قليلة قبل الإفطار. حينها، يمكنك أن تتجول وحيدا وتسير مسافة طويلة في أنهج (شوارع) المدينة وأزقتها، وقد لا يعترضك أحد. فحينها أيضاً، تكون كل المحلات قد أغلقت أبوابها، والجميع أسرعوا إلى بيوتهم بما حملوا من خضار وبيض و"ملسوقة" (أكلة تونسية تقليدية ارتبطت بشهر رمضان) ولحم (لمن استطاع إليه سبيلا)، وانصبّ تركيز الجميع على المطبخ أولا، وعلى التلفاز في انتظار آذان المغرب.
واعتادت أغلب المقاهي والمطاعم الإغلاق في هذا الشهر احتراماً للصوم وللصائمين، وإن شذّت عن هذه القاعدة بعض المقاهي التي تكتظ بدورها بروّادها من المفطرين منذ أول يوم في رمضان. هذا العام أيضاً، فإنّ تونس العاصمة التي كانت دائماً تسع الجميع رغم كل الأحداث التي عصفت بها، وبرغم الواقع الأمني الحالي، لم يتخلّ المفطرون فيها عن عاداتهم، وواظبوا على احتساء قهوتهم وتدخين سجائرهم، وإن كان ذلك وراء ستائر المقهى أو واجهتها التي "تزينت" بأوراق الجرائد... كما في كل رمضان.
هذه المرحلة من اليوم، تسبقها بلا شك "مرحلة الذروة"، أي وقت الظهيرة، حين يغادر الموظفون مكاتبهم باكرا (حسب التوقيت الصيفي والرمضاني الجديد) وينتشرون في الأسواق لأخذ لوازم الافطار.
وفي جولة لـ"الأخبار" في السوق المركزي في قلب العاصمة، وهو أحد أكبر الأسواق وأكثرها نشاطا، تجد مثلاً "القفة التونسية" (كيس تقليدي مصنوع من السعف) التي تحتل المشهد بامتياز، لكنها لم تمتلئ فعلا كما كانت العادة.
العيون المركّزة على ما عُرض من غلال (فواكه) وخضر وأسماك ولحوم بدت شديدة الحيرة. تحتار بين ضرورة إرضاء العائلة وغلاء الأسعار كما هو الحال في كل رمضان. ولا بد أن تسمع بين الفينة والأخرى زبونا يحتج على غلاء سعر الغلال (الفواكه) هنا، وغلاء اللحوم هناك، ولا تخلو أي من النقاشات الثنائية ــ سواء بين الباعة والزبائن أو بين الزبائن في ما بينهم ــ من تذمّر وامتعاض شديد وقد غلب العبوس والغضب على أغلب الوجوه.
الدولة التونسية، وإن رددت كثيرا كعادتها بأنها ستعمل على الحد من ارتفاع الأسعار، لم تقم بأي اجراءات تذكر لتحقيق ذلك. اكتفت كعادتها بنشر المراقبين الاقتصاديين الذين يحرصون على احترام الأسعار القانونية التي تتسم هي نفسها بالارتفاع وبإثقال كاهل التونسي الذي صار المنتمي منه إلى الطبقة المتوسطة أقرب في قدرته الشرائية إلى التونسيين المصنّفين فقراء.
الوكلاء التجاريون يعدّون هذا الشهر فرصة لا يمكن التفريط بها للربح من خلال الرفع في أسعار المواد الغذائية التي يقبل عليها التونسي بلهفة في كل رمضان، وهو برغم كل الشكاوى، يجد نفسه مجبراً على الشراء وإن اقتضى الأمر أن يتديّن أو يقترض. واقع اقتصادي يبرز أكثر في مثل هذا الشهر الذي جعلته العادات التونسية شهرا استهلاكيا بامتياز.
وزارة التجارة التونسية من جهتها، أوضحت أن قرابة 89 في المئة من الأسعار في تونس حرّة ما عدا المواد المدعومة التي تكون أسعارها مؤطرة من قبل وزارة التجارة. وهي أساساً الخبز والبيض والسكر والدقيق والحليب.
وما زالت الوزارة تبحث إلى اليوم عن حلول لوضع حد لارتفاع الأسعار بهدف تعزيز القدرة الشرائية للمواطن. وتؤكد الوزارة أن الإجراءات التي اعتمدتها من أجل الحد من ارتفاع الأسعار "هي حلول ظرفية" وهي بصدد البحث عن حلول دائمة لمشاكل الأسعار التي من المفترض أن تكون مستقرة على مدار العام. وترى الوزارة أن الإشكال الوحيد القائم على مستوى الأسعار متعلق باللحوم الحمراء على اعتبار أنّ كماً منها متأت من عمليات الاستيراد التي تقوم بها شركة لحوم خاصة.
التونسي تمسك بعاداته برغم كل الظروف، وقد اعتاد التحايل أيضا، إذ يعمد عدد كبير إلى اقتناء المواد الغذائية قبل أسبوع أو أكثر من رمضان، تجنباً لارتفاع الأسعار، لكنه يبقى مضطرا إلى شراء أغلب المواد غير القابلة للحفظ.