غزة | حالما حصل محمد (اسم مستعار) على لائحة بأسماء المواطنين المستفيدين من «كوبونة الإسمنت»، بدأ الاتصال بهم ليسألهم من يريد أن يبيع حصته، ثم ليعرض على من يرغب أخذ مبلغ من المال بدلا من الإسمنت الآتي ــ بكميات قليلة ــ للإعمار.

لكن محمد ــ الذي يعمل تاجرا في قطاع غزة ــ يحمل أيضاً لائحة تحتوي على أسماء مواطنين بحاجة إلى مادة الإسمنت لاستكمال بناء أحد الأبنية، ولشباب مقبلين على الزواج وينتظرون الانتهاء من تجهيز شقتهم. في هذه الحالة، لا يكف هاتفه عن الرنين، فالزبائن يطالبون بتحديد موعد لشراء ما يحتاجونه من الإسمنت، حتى إن كان ثمنه مضاعفاً.

ليست هذه المرة الأولى التي يشتري فيها محمد الإسمنت من المواطنين، فهو يعتمد على منطق «فيد واستفيد»، كما يقول، وخصوصاً أن عدداً كبيراً من المواطنين الحاصلين على هذه المادة لا يستعملونها بل يبيعونها، لأنهم من الأساس يسمح لهم بكميات لا تكفي حاجتهم الأساسية، فضلا على ارتفاع أسعارها في السوق السوداء، لذا يفضلون الانتظار إلى أن تستقر الأوضاع حتى يعمروا بيوتهم، كما انهم بأمس الحاجة إلى المال أصلا.
متخصصون اقتصاديون أكدوا لـ«الأخبار» أن أكثر من 80% من مجمل مادة الإسمنت التي دخلت القطاع بيعت في «السوق السوداء»، وبأسعار خيالية لا تناسب الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه أهالي غزة.
ولعل الذين يساهمون في تنشيط «السوق السوداء» هم المتضررون الذين يبيعون حصتهم من «كوبونة الإسمنت». محمد الكفارنة، مثلاً، حصل على أربعة أطنان من الإسمنت كلفة الواحد منها 540 شيكلا (100 دولار = 380 شيكلا) من وزارة الاقتصاد، لكن الكمية لم تكف لبناء منزله المدّمر، ما جعله يقرر بيعها، وخاصة أن أحد التجار اشترى الطن بـ1200 شيكل، وأخير باع الطن الواحد، بدوره، إلى المواطنين بـ2000 شيكل على الأقل، والحديث هنا عن الإسمنت الذي تسمح إسرائيل بدخوله.
«لا يمكنني أن أبيع نصف الكمية وأصلح المنزل مستخدماً النصف الآخر»، يقول الكفارنة، مضيفاً أنه لم يجد سوى البيع والانتظار إلى حين استقرار السياسة وفتح المعابر وعودة سعر الإسمنت إلى الأساسي ليشتري الكميات اللازمة.
ومنذ أيام، حددت وزارة الاقتصاد في غزة سعر الإسمنت الذي دخل بكميات كبيرة عبر معبر رفح بين القطاع ومصر، بما لا يزيد على 800 شيكل للطن الواحد، فيما سعره الأساسي لا يتجاوز 370 شيكلا (الإسمنت المصري).
في هذا الإطار، كشفت مصادر لـ«الأخبار» أن سعر الإسمنت الذي يُدخل عبر معبر رفح أغلى من الذي يتم إدخاله عبر معبر «كرم أبو سالم» مع الأراضي المحتلة، ذلك أن الأول لا يدخل إلى القطاع بالتنسيق مع الحكومة، بل عبر تجار ورجال أعمال لهم علاقاتهم بعناصر المخابرات المصرية، ولكن يبقى على «الاقتصاد» تحديد السعر فقط. وكانت الوزارة قد دعت المواطنين إلى التسجيل عبر موقعها الإلكتروني من أجل الحصول على الإسمنت، لكن هذه الخدمة الإلكترونية لم تستمر لأكثر من 14 ساعة، نتيجة كثافة عدد المواطنين بصورة لم يتوقعها القائمون على آلية التسجيل، الأمر الذي اضطرهم إلى إغلاق النافذة إلى حين توافر إسمنت مصري جديد.
في هذا الوقت، يستمر التحفظ على الإسمنت في مخازن التوزيع التابعة للتجّار، حتى إعلان الحكومة أسماء المستفيدين، وقدّرت مصادر لـ«الأخبار» أنه قد جرى تكديس أكثر من 35 ألف طن في المخازن، وهو ما يهدّد بـ«تجمّدها» وعدم صلاحيتها نتيجة لتأخر صدور كشوف بأسماء المواطنين الذين سيستفيدون منها، وفق خطة مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط السابق روبرت سيري، وهذا ما يزيد احتمال بيعها في «السوق السوداء» أيضاً.
وبالحديث عن «السوق السوداء»، يمكن الإشارة إلى التاجر عمر (اسم مستعار) كمثال، فقد صادرت وزارة الاقتصاد من مخازنه الإسمنت وباعته على أساس «السعر الطبيعي»، وهو 1000 شيكل، حصل منها على 800 شيكل عن كل طن من الإسمنت.
لم يألُ عمر جهداً لتبرير عمله في «السوق السوداء»، مشيراً إلى تدخل «حكومة حماس» في تجارة الإسمنت ومنع التجار من تقرير السعر وفق آلية العرض والطلب، كما اتهم المسؤولين باستخدام «الواسطة والمحسوبية»، ذلك أن الحكومة تلاحق بعض التجار، فيما تغض الطرف عن آخرين.
يقول عمر إن «وزارة الاقتصاد تدعي أنها تحارب السوق السوداء، فيما هي أول المؤيدين لها، وخصوصاً أنها عرضت على ما لا يقل من 15 شركة شراء الطن الواحد بـ950 شيكلا، على أن تبيعها للمواطنين بـ1000 شيكل، ونظراً إلى أن أصحاب الشركات بحاجة لسيولة أكبر، فقد باعوها لتجار السوق السوداء بـ1500 شيكل للطن فيما يشتريها المواطن بـ2100 شيكل على الأقل».
وكيل مساعد وزارة الاقتصاد عماد الباز أكد، في المقابل، تحويل عشرات التجار إلى النيابة العامة، من أجل اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم، مشدداً على محاربة «السوق السوداء» بكل الوسائل، وقائلا إن الوزارة تعمل على مراقبة الأسعار لدى كل التجار.
وأوضح الباز، لـ«الأخبار»، أن عمليات التوزيع التي تقوم بها الوزارة ستقضي على «السوق السوداء»، لكنه في الوقت نفسه حمّل المواطنين جزءاً من المسؤولية، وخصوصاً «الجبناء» على حد تعبيره، بسبب تكتمهم عن التبليغ عن التجار المستغلين للحاجة للإسمنت وبيعها في «السوق السوداء».
برغم ذلك، رأى الخبير الاقتصادي ماهر الطباع أنه برغم تحديد السعر، فإن الوزارة لا تملك القدرة للسيطرة على بيعه في «السوق السوداء»، «لأن المتضرّرين هم الذين يبيعون للتجار ثم يقوم التاجر ببيعها للمضطرين للإسمنت»، منبها إلى أن عدم تعويض المتضرّر، بالطريقة المناسبة، هو ما دفع عدداً كبيراً من المهدمة بيوتهم إلى بيع مواد البناء في السوق السوداء.