أربيل | في خضم انشغال أحزاب إقليم كردستان العراق في التوافق على صيغة الدستور الجديد وإعلان الدولة الكردية المزعومة، فاجأ رئيس الإقليم مسعود البرزاني الجميع بتوقيعه المرسوم الإقليمي رقم 91 القاضي بإجراء الاقتراع العام لانتخاب رئيس إقليم كردستان يوم 20 آب المقبل.

إعلان هذا الموعد يأتي قبل شهرين من انتهاء مدة الولاية الرئاسية للبرزاني في 20 آب، بحسب قانون التمديد لولايته لسنتين التي أقرها برلمان الإقليم في عام 2013 كحل قانوني مؤقت لمشكلة ولاية الرئيس التي انتهت في وقتها من دون الاتفاق حول مسألة عدم قدرة البرزاني على ترشيح نفسه لدورة ثالثة على التوالي. ورُبطت الولاية المؤقتة للرئيس بالوصول إلى توافق سياسي حول مشروع الدستور مع انتهاء تلك الولاية.

وبحسب قانون رئاسة إقليم كردستان لعام 2005، فإن مدة ولاية الرئيس هي أربع سنوات، وتجوز إعادة انتخابه لولايتين، وبالتالي لا يحق للبرزاني ترشيح نفسه لولاية ثالثة، لأنه مرّ بدورتين سابقتين في كرسي الرئاسة من طريق الانتخابات الأولى كانت من داخل برلمان الإقليم في عام 2005 والثانية كانت في اقتراع عام في 2009.

تدعو أحزاب الإقليم لانتخاب الرئيس من قبل البرلمان وتقليص صلاحياته الواسعة

هذه المعضلة القانونية كانت السبب وراء إقرار قانون تمديد ولاية البرزاني في عام 2013 بأغلبية أصوات ممثلي الحزبين الحاكمين آنذاك الحزب الديموقراطي الكردستاني برئاسة البرزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة جلال الطالباني باقتراح من الأخير بعد تعذر التوافق على مرشح الحزب الحاكم، وهذا ما أثر على شعبية «الاتحاد الوطني».
التمديد للبرزاني أعقبه آنذاك انتقادات لاذعة من قبل الأحزاب المعارضة السابقة المتمثلة بحركة التغيير والجماعة الإسلامية الكردستانية والاتحاد الإسلامي الكردستاني الذين اعتبروا حينها التمديد لولاية البرزاني «انقلاباً على الديموقراطية».
مرسوم الانتخابات الرئاسية يستند إلى قانون رئاسة الإقليم رقم 1 لعام 2005 المعدل. لكن الفقرة الثانية من المادة العاشرة في هذا القانون تشير إلى مطالبة الرئيس إجراء انتخابات للبرلمان في حال حله أو انتهاء دورته الانتخابية، مستنداً إلى قانون انتخابات الإقليم الذي يشير إلى إجراء انتخابات البرلمان ورئاسة الإقليم معاً في نفس التوقيت.
توقيت إعلان موعد الانتخابات الرئاسية أفرز سجالات سياسية واسعة، خصوصاً أن القرار تزامن مع دعوات أغلب الأحزاب لانتخاب رئيس الإقليم من قبل البرلمان بدلاً من الاقتراع العام وتقليص صلاحياته الواسعة حسب تصورها.
ويلمّح النائب عن الحزب «الديموقراطي»، دلشاد شعبان، إلى أن قرار إجراء الانتخابات الرئاسية قرار قانوني «مئة في المئة»، رافضاً حسم هذه المسألة من قبل السياسيين، مشيراً إلى شرعية رئاسة الإقليم في حسم هذا الموضوع.
وقال شعبان، لـ«الأخبار»، إنه «ليس من المعقول أن يدخل إقليم كردستان بفراغ قانوني بعد انتهاء ولاية رئيس الإقليم من دون أن يكون لنا رئيس ونحن نصر على أن ينتخب رئيس الإقليم من طريق اقتراع عام وليس من قبل البرلمان». وأكد شعبان أن المرشح الرئيسي للانتخابات الرئاسية المقبلة هو مسعود البزراني.
لكن النائبة عن «الاتحاد الوطني الكردستاني»، تلار لطيق، تصر على عدم قدرة البرزاني على ترشيح نفسه لولاية ثالثة، استناداً إلى قانون رئاسة كردستان. وتشدد لطيف، في حديث لـ«الأخبار»، على أنه «كان من المفترض حسم مشروع دستور الإقليم قبل تحديد موعد انتخابات رئاسة كردستان حتى لا يتعارض النظام البرلماني في الدستور مع آلية عمل رئيس الإقليم وصلاحياته وطريقة انتخابه». الجدل حول قرار موعد الانتخابات الرئاسية يأتي في وقت تحضر الأحزاب الأربعة الرئيسية من غير الحزب الديموقراطي لإعداد مشاريع قانونية لتعديل قانون رئاسة الإقليم من أجل تقليص صلاحيات الرئيس وتحويل منصب رئيس الإقليم إلى منصب شرفي.
وقد أعلنت حركة التغيير صاحبة الـ24 «مقعداً برلمانياً» في الأسبوع الماضي عن مشروعها لتقليص صلاحيات رئيس إقليم كردستان ونقل معظم صلاحياته الحالية إلى رئيس الحكومة، ما ولد ردود فعل غاضبة من قبل «الديموقراطي الكردستاني» الذي اعتبر أن المشروع نوع من مؤامرة على رئيسه البارزاني.
وبحسب القانون، يتمتع رئيس الإقليم بصلاحيات واسعة، بما فيها أنه القائد العام للقوات المسلحة والمقرر الأخير للقوانين الصادرة عن برلمان الإقليم.
وتشير النائبة عن حركة التغيير، بهار محمود، إلى أن قرار رئاسة الإقليم يصطدم بواقعين: الأول عدم قدرة المفوضية العليا للانتخابات على التحضير لهذه العملية، والثاني الواقع السياسي في الإقليم الذي يمر بمرحلة تطالب فيها غالبية الأحزاب بنظام برلماني كامل وانتخاب الرئيس من البرلمان.
وحذرت محمود، في حديثها لـ«الأخبار»، من أن القرار يمكن أن «يلعب دوراً سلبياً على مستقبل التوافق السياسي بين الأحزاب على الكرسي الرئاسي في كردستان».
وفي خضم هذا التجاذب، أعلنت المفوضية العليا الانتخابات التي شكلت حديثاً في الإقليم أنه ليس بمقدورها التحضير والاستعداد للانتخابات الرئاسية في مدة الستين يوماً الباقية، وأنها بحاجة لما بين ثلاثة وستة أشهر من الاستعدادات، مع ميزانية تصل إلى نحو 60 مليون دولار، موضحةً أنها ستردّ على المرسوم الرئاسي خلال 48 ساعة.
نائب رئيس المفوضية، سليمان مصطفى، كشف في حديث لـ«الأخبار» أنّ «من المأمول عقد اجتماع لمجلس المفوضين واتخاذ رد رسمي حول طلب رئاسة الإقليم إجراء الانتخابات في الموعد الذي جاء في المرسوم».
كذلك يأتي الصراع على كرسي الرئاسة في وقت تناقش فيه لجنة اعداد الدستور كتابة أول دستور للإقليم تطالب غالبية الأحزاب المشاركة فيها بأن يكون النظام برلمانياً وليس رئاسياً وأن ينتخب الرئيس من البرلمان.
وكشفت عضو لجنة إعداد الدستور، دانا دارا، في حديث لـ«الأخبار»، أن اللجنة ستبحث «في الأسبوعين المقبلين الفقرة المتعلقة بصلاحيات رئيس الإقليم وحتى هذا التوقيت لا نعرف مدى تأثير قرار اجراء الانتخابات الرئاسية على معادلة التوافق السياسي بين الأطراف حول الدستور».
ويبدو أن الأيام المقبلة ستشهد تجاذبات حادة بين الأحزاب الكردية حول مستقبل كرسي الرئاسة في ظل محدودية السيناريوات لحلها.
ويتوقع المختص في قانون الدستور، خاموش عمر، وجود سيناريوين أمام حسم قضية رئاسة الإقليم. السيناريو الأول يتمثل بحسم دستور الإقليم وإجراء الاستفتاء عليه قبل شهر آب المقبل حتى تحسم مشكلة انتخاب الرئيس فيها. وأما السيناريو الثاني فيتمثل في تعديل قانون رئاسة الإقليم وجعل النظام فيها برلمانياً وانتخاب الرئيس من البرلمان، وهو الخيار الأكثر واقعية.