صنعاء | باكراً، دلّت الأحداث المتسارعة على أن فشل «مؤتمر جنيف» اليمني، أمرٌ شبه حتمي. اليوم الأول من المؤتمر الذي كان من المفترض أن يُخصّص لبدء المفاوضات بين طرفي الصراع في اليمن، هيمنت عليه الفوضى والعراقيل والمماطلة، ما حال دون سيره بصورةٍ طبيعية، وبالتالي تقليص التفاؤل ـ الضئيل أساساً ـ بنجاح المفاوضات، التي تتزامن مع مؤتمر لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة اليوم يشارك فيه نائب وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان.


عرقلة مسار الطائرة التي تقلّ وفد «صنعاء» إلى المدينة السويسرية في مطاري القاهرة وجيبوتي، وتمسّك «فريق الرياض» بسقفٍ عالٍ للشروط التي تزيد الأمور تعقيداً، وتقطع الطريق على أي حلٍّ سياسي جدّي في المدى المنظور، كلها وقائع شهدها يوم أمس، كانت كافية لتُنذر بهشاشة المؤتمر الذي تردّد الفريقين سابقاً في المشاركة فيه.
مصادر مواكبة للمؤتمر الذي ترعاه الأمم المتحدة بحضور الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني، أكدت لـ«الأخبار» أن فريق الرياض متمسك بشروطه القديمة للحوار، التي تتضمن: «تنفيذ قرار مجلس الأمن الداعي إلى انسحاب الجيش وأنصار الله من المدن اليمنية، الإفراج عن المعتقلين، الاحتكام في الحوار إلى المبادرة الخليجية كمرجعية، وتسليم أنصار الله سلاحها».

يسيطر الجيش و«اللجان
الشعبية» على ثلاث جبهاتٍ واسعة على الحدود الشمالية

وفيما كان وفد «صنعاء» يتعرّض عمداً للتأخير منذ مساء أول من أمس، افتتح الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، المؤتمر بحضور الوفد الممثل للرئيس اليمني الفار عبد ربه منصور هادي ومجموعة الدول الست عشرة. ويبدو، تبعاً للمناخ المتشنّج الذي يواكب انطلاقة «جنيف»، أن المحادثات ستؤدي، في أحسن الأحوال، إلى هدنة إنسانية جديدة تستمر طوال شهر رمضان المقبل. وكان بان قد دعا القوى اليمنية، في افتتاح المؤتمر صباح أمس، إلى توقيع هدنة إنسانية مع انطلاق شهر رمضان (يوم الخميس المقبل)، مشيراً إلى أن 80% من الشعب اليمني «بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة».
وتعليقاً على دعوة المسؤول الدولي، جدد وزير الخارجية اليمني بالوكالة، رياض ياسين، التمسك بشروط فريقه المقيم في العاصمة السعودية منذ بدء العدوان على اليمن في آذار الماضي، مؤكداً أن «أي هدنة يجب أن تكون مشروطة بتلبية حاجات الشعب اليمني، وتنفيذ قرار مجلس الأمن المذكور سابقاً، بالإضافة إلى تطبيق مخرجات الحوار الوطني وأسس المبادرة الخليجية». وكان بان، رغم تأخر وصول «وفد صنعاء» الذي أرجعه إلى «أسباب لوجستية»، قد اجتمع بممثلي حكومة هادي وممثلي «الدول الراعية للمبادرة الخليجية»، واصفاً اللقاء بـ«البنّاء»، بالتزامن مع تأكيده أن الحرب في اليمن «تقوّي أكثر إرهابيي العالم قسوةً»، مضيفاً أن المنطقة «لا تحتمل جرحاً مفتوحاً آخر شبيهاً بسوريا وليبيا».
«وفد صنعاء» وصل ليلاً إلى المدينة السويسرية بعد أنباء عن وساطة عمانية حلّت أزمة الرحلة الشاقة. وكانت السلطات المصرية قد رفضت هبوط الطائرة الدولية التي تقل الوفد، ما اضطرها إلى الهبوط في مطار جيبوتي. مصدر مرافق للوفد، قال لـ«الأخبار»، إنهم «تذرعوا بكون التراخيص للطائرة من الدول التي ستعبر خلالها لم تنجز». إلا أنّ من المرجح أن يكون الوفد قد جرى تأخيره عمداً، أولاً لعدم رضا السعودية وفريقها عن تغيير تصميم المؤتمر من قاعتين تفصل بين «فريق الشرعية» و«فريق الانقلاب»، وثانياً لمنع الوفد من لقاء بان كي مون الذي غادر مساء أمس المدينة السويسرية.
وتألّف الوفد من أعضاء المكتب السياسي في «أنصار الله»، حمزة الحوثي، مهدي المشاط، وعن حزب «المؤتمر الشعبي العام» الذي يتزعمه الرئيس السابق علي عبدالله صالح، حضر كل من عارف الزوكا وياسر العواضي وشخصيات أخرى من أحزاب يمنية. أما عن «وفد الرياض»، أو حكومة هادي، فقد تضمّن رياض ياسين، ووزير حقوق الإنسان بالوكالة عز الدين الأصبحي، وشخصيات أخرى مقيمة في الرياض. وفيما اقتصر المشاركون في المؤتمر على الطرفين المباشرين للصراع في اليمن، كان لافتاً غياب ممثلين عن حزب «التجمع اليمني للإصلاح» (الإخوان المسلمين)، وذلك قد يعود أولاً إلى الأولوية السعودية في حصر التفاوض بـ«فريقها المباشر»، ما قد يمثل صفعةً جديدة للحزب الإسلامي الذي راهن على العدوان الأخير لإعادة إحياء دوره في اليمن، بعدما نجحت «أنصار الله» في إقصائه عن الساحة الداخلية في العام الأخير، ثم تحجيمه في المعارك المستمرّة معه، ولا سيما في معاقله الأساسية كمدينتي مأرب وتعز والجوف. وكان القيادي الإصلاحي حميد الأحمر، قد قال في تصريحاتٍ صحفية يوم أمس، إنه «لا حوار مع الحوثيين».
انطلاقاً من هنا يمكن العودة إلى عبارة ممثل «الإصلاح» في الحوار اليمني الداخلي السابق، محمد قحطان، حين قال لممثل «أنصار الله»، حمزة الحوثي، في جلسات الحوار التي كان يرعاها المبعوث الدولي السابق: «عليكم أن تتفاهموا مع السعودية وما تقرّره سنوافق عليه». غير أن الرياض التي عملت في السابق على إفشال الحوار الداخلي لكونه لم يتناسب مع طموحاتها في الداخل اليمني، تبدو اليوم تتبع المسار نفسه مع مؤتمر جنيف، لإدراكها أن الوضع الميداني والسياسي في اليمن، لا تطابق حساباتها مطلقاً.
في هذا الوقت، تواصلت المواجهات بين الجيش اليمني و«اللجان الشعبية» من جهة، وبين القوات السعودية من جهةٍ أخرى، على الحدود اليمنية السعودية. ويمكن القول إن الجيش و«اللجان» التابعة لـ«أنصار الله»، تسيطر منذ مدة طويلة على ثلاث جبهاتٍ حدودية، وهي الجبهة التي تشمل الحدود الشمالية من جهة تهامة والبحر من ناجية ميدي، مروراً بمنطقة الطوال حتى الملاحيظ شمالاً، التي تقابل محافظة جيزان من المقلب السعودي. الجبهة الثانية تمتد من مناطق باقم ومنبه وعلب التي تقع مقابل منطقة ظهران الجنوب، التابعة لمحافظة عسير السعودية. أما الجبهة الثالثة فهي تقع على الحدود مع محافظة نجران، من مناطق وائلة وكتاف والبقع ويام، وصولاً إلى منطقة طخية، على الجهة اليمنية.
على المستوى الداخلي، تابع الجيش و«اللجان الشعبية» تقدمهم في محافظة الجوف، حيث أعلنت وزارة الدفاع اليمنية في صنعاء، «تطهير معسكري نخلا والسحيل بالكامل من عناصر القاعدة»، وهما المعسكران الاستراتيجيان اللذان كان التنظيم المتطرّف يتخذ منهما حصناً قوياً لسنوات طويلة.