الجزائر | يستمر مسلسل الحوار السياسي الليبي دون أن تعرف نهايته، فبعد القاهرة وتونس والجزائر، انطلقت جولة أخرى في الصخيرات المغربية، ومن ثم في برلين بعد دخول ألمانيا على خط الوساطة وإعلانها استضافة الأطراف الليبية بحضور أعضاء مجلس الأمن الأممي. لكن برغم الزخم الكبير والتدافع في رعاية الحوار بين الفرقاء في ليبيا، فإن التساؤل مستمر عن أسباب توالي الجلسات في ظل استمرار الفوضى التي أسهمت في تمدد تنظيم «داعش» داخل البلاد.

وقد انطلقت جلسات حوار جديدة في الصخيرات بعد انتهاء سابقتها في الجزائر (نهاية الأسبوع) دون التوصل إلى اتفاق، ما يعكس ضعف المتحاورين، وبالأحرى، فإن السبب الخفي ــ الظاهر هو غياب طرف «مهم» اسمه «القبائل».

تؤكد جهات ليبية أن تركيبة المجتمع الليبي المبني على القبيلة والعشيرة والجهوية عامل مهم لبسط الأمن والاستقرار، وهي القاعدة التي كان يعمل عليها الرئيس الراحل معمر القذافي قبل مقتله، فهو اعتمد على القبائل وأنشأ بها ما يسمى اللجان الشعبية التي كانت تعتبر جيشاً بحد ذاته، ومع أن هذه اللجان لم تفلح في إبقاء النظام بعد مقتل القذافي، فإنه يمكن القبائل أن تعيد ضبط البلاد مجدداً، وهي نتيجة أقرّ بها رئيس البرلمان الليبي الحالي، صالح عقيلة.
وللدلالة على ذلك، فقد أفادت مصادر بأن أعيان بلدة الأصابعة (غرب العاصمة طرابلس 120 كلم) ومشايخها، يعملون على رعاية اتفاقات الصلح بين بعض المدن والمناطق في ليبيا، وقد استضافت البلدة الاجتماع الثاني لمجلس «الحكماء والشورى والأعيان» في ليبيا، الذي عُقد تحت شعار «التهدئة الشاملة سبيل للخروج من الأزمة الراهنة». وجرى في المؤتمر تشكيل «مجموعة العمل الوطني للتهدئة» لحل النزاع القائم في البلاد.
وبما أن عمل القبائل لا يكون تابعاً لأجندة خارجية ــ بالعادة ــ فإن كثيرين يعولون على نجاعة هذا الخيار، مثلاً خالد بوزنين، وهو قيادي في أهم تكتل ديموقراطي ليبرالي يقوده رئيس الحكومة الأسبق محمود جبريل، يقول إن الحوارات التي تجرى في الخارج هي «حوارات بين تجار الدين والسلطة، وهي حوارات مفروضة على الليبيين». في المقابل، فإنه يرى أن للقبائل دوراً مهماً لو أمكن الاستعانة بها في جلسات الحوار، مشيراً إلى المؤتمر الذي جمع عدداً من القبائل والأعيان في القاهرة من دون حضور الأطراف السياسية، ما «يخلق نوعاً من التوازن».
لكن بوزنين لم يخف أن القبائل صارت محل تجاذب بين الأقطاب السياسية والعسكرية لكسبها، شارحاً أن ثمة ثقلاً لعمل القبائل في ثلاث مناطق داخل البلاد: برقة، وطرابلس غرب، وفزان. وتوضح مصادر أخرى أن أهم القبائل ــ التي تعتبر مجموعة تنتمي إلى جهة واحدة ويجمعهما ميثاق واحد ــ هي العواقير، المنفة، البراعصة، الفواتير، والعبيدات، والأخيرة من أكبر القبائل في ليبيا وأهمها، علماً بأن غالبية هذه القبائل منتشرة في شرق ليبيا، على عكس غربها الذي يغلب عليه الطابع المناطقي أو الجهوي.
وبرغم مرور عدة سنوات على الأزمة، لا تزال غالبية تلك القبائل تتخذ موقفاً حيادياً من الأحداث في ليبيا، فيما يفيد بوزنين بأنه يجري التحضير لإبراز القبائل كقوة ثالثة في الساحة ــ بعد حكومتي طرابلس وطبرق ــ عبر الإعداد لإعلان مجلس للقبائل يدعم الجيش في تولي السلطة، ثم «تسيير مرحلة ما بعد انتهاء صلاحية برلمان طبرق وحكومة (عبد الله) الثني» في تشرين الأول المقبل. وأفاد أيضاً بأن أطرافاً دولية تُسهم في ذلك، لكنه رأى أن دور القبائل سلاح ذو حدين، فإما أن تكون «سنداً قوياً لترسيخ الديموقراطية، أو بداية لعودة نظام دكتاتوري جديد محمي بالقبيلة».
ويقول متابعون للشأن المحلي إن أي خلل في تركيبة القبيلة في البلاد يعني سيطرة تيارات غير وطنية على مقاليد الأمور في ظل دولة هشة، لذلك يحذرون من استغلال العصبيات بين القبائل لأجندة خارجية.
وبشأن الحوارات، أكدت وزيرة الصحة الليبية سابقاً، فاطمة الحمروش، أن «الحوار يسير في الاتجاه الصحيح، وأيضاً كان لقاء القبائل بالمبعوث الأممي في القاهرة كافياً، لأن القبائل قوة تأثير، بل يمكن تشبيهها بالحزب، ولكنه عفوي وتلقائي».