غزة | تحت دعوى أن الأنفاق منفذ رئيسي لتهريب «الإرهابيين» من سيناء وإليها، ومصدر لتسليح المجموعات التي تهاجم الجنود المصريين وتزعزع الأمن القومي لبلادهم، دُمِّر نحو ألف نفق على الحدود بين قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، ابتدأ الفلسطينيون حفرها عام 2007 لكسر الحصار الذي منع وصول احتياجاتهم الأساسية إليهم، فضلاً عن عشرات الأنفاق التي تخص المقاومة وفصائلها.


ومنذ عهد حسني مبارك فالمجلس العسكري، ثم محمد مرسي وأخيراً عبد الفتاح السيسي، كانت قضية الأنفاق شماعة تعلق عليها كل الإخفاقات الأمنية للجيش المصري هناك، إلى أن حسم السيسي الأمر، وقرر تدمير شكل الحياة في مدينة رفح التي قسمها اتفاق سايكس ــ بيكو إلى شطرين: فلسطيني ومصري، فدمر الأخير ليقطع إمكانية وصول النفق بسرعة إلى سيناء، ما يعني أن ما بقي هو «الأنفاق الطويلة» التي تتخطى الكيلومترين. ما يقارب 50 نفقاً على الأقل ــ كما رصدت «الأخبار» ــ لا تزال غزة تتنفس عبرها، مع أن جهاز المخابرات المصرية يعلم بما يقارب العشرة منها على أقل تقدير، ولكنه بسكوته عنها بعد التأكد من كونها لا تدخل إلا مواد غذائية، يسمح بقليل من التنفس الاصطناعي للقطاع المحاصر.

من المقرر أن يفتح
معبر رفح ثلاثة أيام بداية
الأسبوع المقبل

وما يميز هذه الأنفاق عن غيرها عدة أمور، وهي أنها لا تُستخدم يومياً، فهي تبقى رهينة أوامر رجال المخابرات الذين غالباً ما يغضون الطرف وفق ما تقضيه الحالة الأمنية والسياسية، وأحياناً الشخصية، وخاصة أن الدولة لا تعلم بوجودها رسمياً ويقتصر ذلك على بعض رجال المخابرات الذين يشددون على صاحب النفق، والأخير أيضاً لا يتحدث بالأمر من قريب أو بعيد. واللافت أن هذه الأنفاق العشرة لم تصب بأذى لمرة واحدة، بل هي الأطول عمراً من بين أنفاق تمتد بوجودها إلى عهد مبارك، الذي كان أيضاً يعلم بوجود عدد منها ويغض الطرف عنها، ليس لسواد عيون الغزيين بقدر ما كانت «ورقة قوة» يمكن استعمالها عند الحاجة، وخاصة أوقات الضغوط السياسية على البلاد، كما يقول مصدر أمني مصري شدد على إخفاء هويته.
وخلاف هذه الأنفاق العشرة، توجد أنفاق أخرى تعود إلى المقاومة الفلسطينية وقد أنشئت من قبل فرض الحصار، لأن الهدف منها كان جلب السلاح، وهي أيضاً ذات مداخل ومخارج عديدة، وكما سابقاتها لا تشغل بصورة يومية.
تلك المصادر أكدت مراراً أن هذه الأنفاق مراقبة جيداً ولا يمكن التلاعب بنوعية البضائع التي تدخل عبرها، وكذلك «لا يمكن تهريب إرهابيين من خلالها»، والسبب أن «مصر ليست بصدد التضييق على الفلسطينيين بصورة كلية، ولكن بعض مالكي الأنفاق استغلوها بما يمثل خطراً على الأمن القومي الذي ذاق ويلاته جنودنا».
ومن المعروف على المستوى الإعلامي أن الجهات الأمنية المصرية، وكذلك الرئاسة، تحارب بشدة وجود أي نفق على الحدود مع القطاع، بعد حملة من التحريض ضدها وتعليق سبب مقتل الجنود والإخفاق الأمني عليها، كذلك تطالب القاهرة ليل نهار بعودة حرس الرئاسة التابع للسلطة الفلسطينية لتسلم معبر رفح ومتابعة الحالة الحدودية من حوله.
وبشأن الشائعات التي تطلق على استفادة ضباط في المخابرات مالياً من بقاء تلك الأنفاق، تنفي المصادر ذلك كلياً، قائلة إن المخابرات يرتكز عملها أساساً على سياسة الدول، ومن «سياسة الجمهورية المصرية أن تكون رائدة، ولكن وجود هذه الأنفاق ــ الباقية ــ لا تضرها لأنها تكون واثقة مئة بالمئة من سلامة ما تدخله».
في المقابل، تقول مصادر في المقاومة إن المصريين لا يسعون إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل الفلسطينية، وإن هناك تفاهماً ضمنياً على بقاء بعض الأنفاق دون تفعيلها، لأن «هدمها يعني المشاركة فعلياً في خدمة العدو الإسرائيلي».
وخلال جولة ميدانية، فمن لحظة أن تطأ القدم البوابة الرئيسية لمنطقة الأنفاق ــ التي أسستها الحكومة السابقة لحركة «حماس» إبان انتشار هذه الظاهرة وخاصة في عهد محمد مرسي ــ حتى يظهر أن الواقف ينظر إلى «صحراء جرداء»، فالتراب تيبس من قلة الزوار وتحولت أكوام الطين المتراكمة على فوهة الأنفاق ــ من الجانب الفلسطيني ــ إلى حجارة، بفعل عوامل المناخ وتبخر المياه منها.
ومن يذكر هذا المكان جيداً، يعلم كيف كان قبل سنتين فقط، مكتظاً بالعمال والتجار والشاحنات التي تنقل البضائع بأشكالها وأنواعها، وحتى مشتقات البترول التي أغرقت السوق الغزي بما يحتاجه، بل بما يفيض عن حاجته. ومع الحالة المستجدة، اضطرت وزارة الداخلية التابعة للحكومة السابقة قبل نحو عام، إلى إلغاء هيئة أمن الأنفاق التي كانت تضعها لمراقبة الأنفاق، بل لختم جوازات السفر للعابرين منها إلى القطاع أو العكس. إذ قال المتحدث باسم «الداخلية»، إياد البزم، آنذاك إنه «بعد إغلاق السلطات المصرية الأنفاق التي كانت من المصادر الأساسية لإدخال السلع والوقود، نؤكد أن هيئة الأنفاق التي كانت تعمل سابقاً لم تعد قائمة اليوم».
والآن، تكتفي الوزارة بنشر قوات تابعة للأمن الوطني لمراقبة الحدود، وبسبب التشديد الأمني الأخير، رفضت القوى الأمنية السماح لنا بالدخول إلى تلك المنطقة، على اعتبار أنه لا توجد أنفاق، ولكن، بعد محاولات عديدة مع أحد أصحاب الأنفاق التي يعاد ترميمها، استطعنا الوصول لاستطلاع الحقيقة عن كثب. رافقنا أبو محمد (اسم مستعار)، وهو صاحب أحد الأنفاق التي ترممت الآن، وكان قد بدأ في هذا المشروع بعدما قال إنه سئم حدوث أي حل. نفق «أبو محمد» يقدر عمقه سابقاً بـ30 متراً، وكانت تجارته قد أدرت عليه ملايين الدولارات في أقل من ثلاث سنوات. ويذكر أنه هدم نفقه لثلاث مرات خلال تلك المدة، وقد أعاد ترميمه بعدما أخفق في تجارة «التهريب عبر البحر»، ولم يفلح فيها، لأنها ليست صعبة فقط، «بل مستحيلة».
تربط أبو محمد علاقة مع أمين النفق ــ المسمى على الجانب المصري ــ والأخير تربطه علاقة بأحد رجال المخابرات الذي أكد أنه لن يسمح بإنشاء أي أنفاق جديدة مهما كانت الأسباب، ولكنه يمكنه شراء نفق من المتبقيات وتحظى برضا المخابرات. هذا الأمر أيضاً لم يتم، لذلك أعاد الرجل العمل على ترميم النفق السابق.
وكانت السلطات المصرية قد عملت على إزالة الأنفاق إما بالمتفجرات أو بالمياه العادمة، أو حتى إغراقها بالغازات السامة وسد الفتحة من الجانب المصري، ما يهدد حياة العمال المحصورين في النفق ويؤدي إلى وفاتهم. وقد قُتل أربعة عمال خلال العام الجاري بفعل تدمير الجيش المصري أحد الأنفاق حيث كانوا داخله، كذلك احتجز في تلك الأيام نحو 20 عاملاً أُنقذوا في حوادث متفرقة.
ولا يقف الأمر عند خطورة العمل في الأنفاق حالياً، ولكنه يمتد إلى قلة الدخل اليومي للعامل، فبعدما كان يصل مدخوله اليومي إلى ما يقارب 300 شيكل (نحو 80 دولاراً)، فإنه لا يحصل على ثلث هذا المبلغ الآن برغم المجازفة وانعدام الثقة بالنجاة. أحد هؤلاء هو إبراهيم القططي (35 عاماً) الذي يعمل في ترميم أحد الأنفاق، وبعد محاولات عديدة لإقناعه بالحديث، أكد أنه عاد إلى الأنفاق من قرابة 20 يوماً، لأنه خسر سيارة الأجرة التي كان يعمل عليها خلال الحرب الأخيرة بسبب قصف طاول بيته.
وفي السياق، أعلن رئيس الهيئة العامة للمعابر والحدود في غزة، ماهر أبو صبحة، أمس، فتح السلطات المصرية معبر رفح استثنائياً لثلاثة أيام مطلع الأسبوع المقبل. وقال أبو صبحة إن المعبر سيفتح في كلا الاتجاهين أيام السبت والأحد والاثنين. وفي الوقت نفسه، لمّح رئيس حكومة التوافق في رام الله، رامي الحمد الله، إلى أن تسليم المعابر (في غزة) «يعني حل أزمة موظفي القطاع» الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ قرابة عام.