قريباً تمرّ الذكرى الأولى لفاعليات الدورة الأخيرة لكأس العالم لكرة القدم. كان صيفها حاراً أكثر من العادة على البلد المضيف، البرازيل. انطلقت البطولة من دون دراما اجتماعية واضطرابات كانت مرتقبة، نتيجة برامج الإنفاق والتقشف للرئيسة ديلما روسيف. غير أنها انتهت بإهانة بحجم البطولة ألحقها المنتخب الألماني بملوك المستديرة القدماء.

الخزي البرازيلي من مونديال 2014 لم يتوقّف مع صفارة النهاية التي أطبقت خسارة بفارق ستة أهداف أمام قرابة ستين ألف متفرج. فقد خرجت بلاد الأمازون من البطولة مرهقة بفاتورة استثمارات أنفقتها على تطوير الملاعب بقيمة تفوق 3.5 مليارات دولار، وفاتورة استثمارات عامة إجمالية تساوي أربع أضعاف هذا المبلغ.

على الرغم من كل الترقب والحماسة، لم ينمُ الاقتصاد البرازيلي سوى بنسبة 0.1%، خلال ذلك العام، ومن المتوقع أن يتقلّص بنسبة تفوق 1% في عام 2015، في ظل سخط شعبي على الطاقم السياسي الحالي، على الرغم من التجديد له في الانتخابات الأخيرة.
اليوم توصف الملاعب التي شُيّدت للمونديال ــ وبينها واحد يتسع لـ40 ألف متفرج في منطقة ماناوس النائية، التي تفتقر إلى فريق كرة قدم محلي ــ بأنها «فيلة بيضاء»، في إشارة إلى عدم جدواها.

تستعدّ الإمارة لهبوط صعب، إذ يتباطأ النمو خلال المدى المتوسط مع بدء نمو الاستثمارات العامة بالتضاؤل تدريجاً

خلال فترة العامين الماضيين، راقبت قطر البلد اللاتيني في مراحل الإعداد الصعب للمونديال على المستويين الاجتماعي والاستثماري. فمنذ اللحظات الأولى لإعلان فوز الإمارة بشرف استضافة دورة كأس العالم في عام 2022 ــ وما رافقها من حركات احتفالية للأمير (السابق) حمد بن خليفة آل ثاني وزوجته الأميرة موزة ــ بدأت التكهنات بشأن هذه التجربة السوريالية التي ستعيشها قطر، باستضافة البطولة.
على المستوى التقني، المعجزات ليست متوقعة من جانب الفريق القطري المتأهل تلقائياً إلى النهائيات ــ إلا إذا حلّت به معجزة كما يحلّ شعار Qatar Foundation على قميص أفضل فريق كرة قدم في العالم، برشلونة. وأساساً ليس متوقّعاً الكثير من باقي المنتخبات التي سيلاحق لاعبوها الكرة في مناخ صحراوي قد تتخطى فيه الحرارة 45 درجة مئوية. جميعهم يعلم أنه وقع في فخ الفساد الذي ينخر البنية المؤسساتية المشرفة على اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
ليس الحدث تقنياً وفنياً إذاً، إنه بالأحرى سياسي وذو أبعاد تنموية للإمارة. بدايةً، تُنفق قطر على دورتها المرتقبة ــ من تطوير للملاعب وللبنى التحتية المرتبطة بها ــ مبلغاً فرسخياً يفوق 200 مليار دولار، أي ما يعادل 100 ألف دولار عن كلّ مقيم في الإمارة؛ وهذا يساوي أكثر من 1800 مرّة، المعدل المسجّل في جنوب أفريقيا التي استضافت البطولة في عام 2010، بحسب ما لاحظت مجلة «تايم» في أحد تحقيقاتها.
تبدو تجربة البلاد مع نهائيات كرة القدم ومع برنامجها التنموي، عموماً، خلال العقدين المقبلين وكأنها محاولة لتطبيع البلاد التي انتفخت على نحو هستيري محلياً، بفضل إيرادات النفط والغاز.
وتحلّ هذه التجربة في قلب برنامج التطوير التنويع والتنمية الذي يحمل عنوان «رؤية قطر 2030»، ومن المفترض أن تُسهم في خفض اعتماد البلاد على الوقود الأحفوري إلى الحدود الدنيا، والاتجاه صوب قطاعات أخرى، منها السياحة التي قد تستفيد من تجربة المونديال.
ويبدو أن التركيز الأساسي هو على القطاعين المالي والبناء والتطوير، بحسب تقرير «مجموعة أوكسفورد للأعمال» عن الإمارة الخليحية، الذي صدر، أخيراً. فبفضل برنامج الاستثمارات في البنى التحتية توسع قطاع البناء بنسبة 22% على أساس سنوي بين عامي 2013 و2014.
«في القطاع المصرفي تبدو المؤشرات العامّة ملائمة، من ملاءة رأسمالية وأصول قوية، ما يسمح للبنوك باستغلال الفورة الحالية في قطاع البناء».
فعلاً، سعت الدوحة إلى فتح أبواب قطاعها المالي، وذلك بتعزيز الفرص الاستثمارية عبر السماح للأجانب بالمشاركة في أنشطة الخدمات المالية وتملك ما يصل إلى 49% من الشركات المدرجة في البورصة، وحتى تملّك شركات بنسبة 100% في بعض القطاعات. «كذلك، وفي سعي إلى جذب الاستثمارات وتطوير المهارات والمواهب المحلية تُطلق قطر ثلاث مناطق اقتصادية خاصّة تكون قاعدة لتنمية القطاع الخاص الوطني»، أي الشركات الخاصة قطرية المنشأ.
ولكن إذا كانت هذه القطاعات تتطلع إلى النمو الإضافي، خلال السنوات المقبلة، فهناك قطاع لا يُمكنه سوى الرجوع إلى الوراء؛ إنه النشاط الذي يُعدّ لولب البلاد ووقودها الأساسي: قطاع الطاقة. هناك تحديات كثيرة في هذا الإطار، من بينها «التراجع الحاد لأسعار النفط الذي بدأ في عام 2014؛ تزايد الطلب على الطاقة محلياً مع نمو البلاد سريعاً؛ إضافة إلى تحدي إدارة الموجة الجديدة من الاستثمارات في الحقول القائمة»، وفقاً لما يلاحظه تقرير المجموعة البريطانية الأصل والخليجية الهوى.
«برغم ذلك، في ظلّ مستوى التشغيل الهائل في القطاع واستناداً إلى معدلات الاستخراج المسجلة في عام 2012، فإن احتياطات قطر من الغاز فقط قد تبقى حتى القرن الثاني والعشرين»، يقول تقرير المجموعة.
صحيح أن البلاد تملك أكبر حقل غاز طبيعي غير مستغل في العالم، وصحيح أنها تملك احتياطات نفطية تفوق 25 مليار برميل، إلا أن تصريح المذكور يُعدّ كريماً جداً وفي الوقت نفسه دعائياً وبعيداً عن المنطق. وتكمّله تعابير أخرى على شاكلة: «التزام (الشركات) العملاقة المحلية والعالمية في التطوير المستمر» للقطاع النفطي.
هكذا فإن «التحديات المذكورة تبدو بعيدة عن التأثير في دور قطر الرائد في القطاع النفطي».
هذه الخلاصات المزينة تحمل الكثير من التلميع فيما الأجدى هو الإضاءة على المشاكل الحقيقية التي تعانيها البلاد من ضعف الإنتاجية في صفوف المواطنين وصولاً إلى كيفية خط شرعة إنسانية واقتصادية للتعاطي مع اليد العاملة المستوردة التي تُعدّ وحدها الضمانة لاستدامة البلاد ووجودها الكلي حتى القرن الثاني والعشرين.
كذلك، يجب التركيز على القطاع التعليمي الذي يبدو ضعيفاً من حيث مؤشرات التسجيل والتخرج في أوساط المواطنين. وحتى مع الإنفاق العام الضخم لتطوير هذا القطاع، إلا أن استثمارات ومبادرات القطاع الخاص تؤدي أدواراً تزداد أهمية وتحديداً على مستوى التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي (حتّى في مجال التعليم الجامعي، برغم كل البرامج الإنفاقية لإنشاء فروع لجامعات عالمية، وبرغم إطلاق برامج الأبحاث والتطوير، إلا أن الثمار الحقيقية في هذا المجال تبقى غائبة).
المشكلة في قطر حالياً، هي أن هذه القطاعات والمجالات الحيوية للتطوير كان يجب أن تستغل مرحلة النفط الغالي والغاز النفيس، فاليوم تستعد البلاد لمرحلة من تراجع الإيرادات، ليبدو أنها ستصل إلى صفارة انطلاقة مونديال 2022 على آخر نفس.
بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي التي صدرت في نيسان الماضي، ونتيجة تراجع أسعار النفط، «قد تبدأ قطر بتسجيل عجز في ماليّتها العامة بدءاً من عام 2016 وتبدأ الفوائض الخارجية بالتقلّص بصورة ملحوظة».
وهذا العجز يبدو خارجاً عن المنطق، فالبلاد مسؤولة عن ثلث الغاز الطبيعي المسال في العالم، وخلال السنوات الأخيرة سجّلت معدّلات نمو اقتصادي قوية بلغ متوسطها 6%، وتولّدت من القطاعات غير النفطية. لدرجة أن القطاعات غير النفطية أضحت مسؤولة عن ثلثي النشاط الاقتصادي تقريباً.
لكن برغم كل شيء تستعدّ الإمارة لهبوط صعب، إذ يتوقع خبراء الصندوق «تباطؤ النمو خلال المدى المتوسط حيث سيبدأ نمو الاستثمارات العامة بالتضاؤل تدريجاً، ولن يتمكن القطاع الخاص من تعويض هذا النقص سوى على نحو جزئي».
وحتى في المجالات البيروقراطية التي يُشير البعض إلى أن إصلاحات عديدة طُبقت فيها، تُرصد مشاكل. مثلاً، يذكر تقرير الصندوق أن المجال لا يزال موجوداً لإجراء «تحسينات في بيئة الأعمال ولتطوير التنويع الاقتصادي، بما فيها تسهيل التسجيل التجاري وتحسين احترام العقود وتطوير المناهج التعليمية»؛ ولا يُسقط صندوق النقد طبعاً نصيحة الخصخصة لتحسين الفاعلية الاقتصادية.
كل ذلك يعني أن مشوار قطر صوب التنمية، التطوير والتنويع الاقتصادي لا يزال في بداياته، ويبدو أنه سيزداد صعوبة مع تراجع أسعار النفط وارتفاع حدّة المنافسة في قطاع الطاقة عالمياً.
فهل يُرهق المشوار قطر وتُصبح بحدّ ذاتها فيلاً أبيض بعد صفارة النهاية لمونديالها المرتقب وقبل حلول عام 2030؟