القاهرة | يبدو أنّ التحركات المصرية في الملف الليبي، تحديداً من خلال استضافة مؤتمرات تجمع قبائل ليبية مختلفة، تأتي ضمن سياسة التحرك الاستباقي لتأمين الحدود الغربية للبلاد، فضلاً عن محاولة الحضور المصري في العمق الليبي. هذا سبب أول لمحاولة فهم الدور المصري في الساحة الليبية حالياً.

ويبدو السبب الثاني أكثر وضوحاً إذا ما أخِذَت في عين الاعتبار المؤشرات المتسارعة حول إمكانية التوصل قريباً، برعاية الأمم المتحدة، إلى اتفاق سياسي بين عدد مهم من الأطراف الليبية المنقسمة بين طرابلس وطبرق لتاليف حكومة وحدة وطنية. فهل تبقى القاهرة خارج الحل؟

قبل أشهر سعت القاهرة إثر ذبح تنظيم «داعش» لواحد وعشرين مصرياً في ليبيا إلى تأمين تحالف دولي يدعم، مادياً ولوجستياً، ضرباتها الجوية في ليبيا دعماً لحكومة عبدالله الثني ولقوات خليفة حفتر، لكنها فشلت.
ويبدو أنّ هذا الأمر دفع بالقاهرة إلى إيجاد مقاربة جديدة في ليبيا، ترتكز على التنسيق الديبلوماسي مع كل من الجزائر وتونس، وإيطاليا أوروبياً. المفارقة أنّ التنسيق الديبلوماسي من شأنه أخذ الاعتبارات المصرية في أي حل ليبي مقبل لكنه لا يؤمن حلفاء محليين.

القاهرة تبدي قلقاً شديداً حيال تحركات الدوحة في الملف الليبي

هنا بيت القصيد: هدف المقاربة الجديدة يتمثل بالوصول إلى حل سريع للصراع، على المدى المتوسط. حل من شأنه إنشاء مشهد سياسي جديد تنجح من خلاله القاهرة عبر حلفائها بالتأثير على الواقع الليبي.
أي حلفاء؟ حكومة الثني وقوات حفتر لهما تأثير كبير في ليبيا لكنهما لم تحسما ولن تحسما التطورات لمصلحتهما. وللقاهرة خصومها في ليبيا، في ظل صراعها المرير مع «الإخوان المسلمين» ــ «العدالة والبناء» في ليبيا.
قد تصوّر مسألة القبائل الليبية في الإعلام بأسلوب اختزالي، لكن عموماً فإن اهتمام «المحروسة» بقبائل ليبية جاء بتوصيات من جهات سيادية دفعت نحو ضرورة وجود أواصر للصلة بين مختلف القبائل والقاهرة لتأمين الحدود الغربية من عمليات تهريب السلاح، بالإضافة إلى أهمية الدعم القبلي حال اضطرار القاهرة لتنفيذ أي عمليات في الأراضي الليبية بهدف انقاذ الجالية العاملة هناك، أو حتى قصف مواقع التنظيمات المتطرفة.
تقارير الجهات السيادية التي عرضت على مجلس الدفاع الوطني قبل أسابيع، أوصت بضرورة احتواء القبائل واستضافة قادتها في مصر لبحث سبل التوصل إلى حل للأزمة السياسية في ليبيا خلال الفترة المقبلة.
لم تغفل التقارير ضرورة إشراك أبناء القبائل في مطروح والسلوم (في مصر) بالجلسات نظراً لصلة النسب بينهم وبين عدد من القبائل الليبية، وهو ما حدث بالفعل في المؤتمر الذي استضافته القاهرة قبل نحو عشرة أيام بمشاركة أكثر من 500 شخص، ونتج منه تأليف «مجلس تمثيلي».
مضمون التقارير ــ الذي تحدث عنه مصدر دبلوماسي لـ»الأخبار» ــ أن «القاهرة تبدي قلقاً شديداً حيال تحركات الدوحة في الملف الليبي، الأمر الذي أدى لتحركات سريعة على الأرض».
ويوضح المصدر الديبلوماسي أنّ رئيس الحكومة المصرية، المهندس إبراهيم محلب، ووزير الخارجية، سامح شكري، تلقيا تكليفات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي بمتابعة الملف والتعامل مع مشايخ القبائل المختلفة، بحيث تبقى القاهرة على مسافة واحدة منهم جميعاً دون الانحياز لأي طرف على حساب اخر.
وحول المؤتمر الأخير، يرى المصدر أنّ «المؤتمر الذي استضافته العاصمة المصرية مرتبط بزيادة التحركات في العمق الليبي»، مشيراً إلى أنّ «اللقاء لم يحقق أي نجاح أو نتائج ملموسة يمكن الاستفادة منها مستقبلاً... هناك لقاءات اخرى ستعقد خلال الشهور المقبلة للتوصل إلى رؤية موحدة».
علي صالح، أحد مشايخ القبائل الليبية، يقول لـ«الأخبار» إن احتضان القاهرة لمباحثات القبائل أمر جيد جدا وإنهم استفادوا كثيراً وطرحوا عدة قضايا مهمة، مشيراً إلى أن مصر تحظى بثقة جميع أبناء القبائل، ولها مكانة خاصة وتقديراتها السياسية تؤخذ في الاعتبار.