تونس | لا يزال ما يقارب ألفي شخص من ضحايا نظام الرئيس الفارّ، زين العابدين بن علي، في انتظار إنصافهم ورد الاعتبار لهم، خاصة بعد تلقيهم وعوداً ووثائق رسمية بتسوية وضعياتهم المهنية ومنحهم حقوقهم وبطاقات معالجة مجانية.

ونفذ، أول من أمس، أعضاء الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية وقفة احتجاجية أمام مقر انعقاد المؤتمر الصحافي لهيئة الحقيقة والكرامة الذي حضره وزير العدل، محمد صالح بن عيسى، لإبلاغه جملة من المطالب المتعلقة أساساً بوضعية المنتفعين من العفو التشريعي العام ومآل «صندوق الكرامة» الذي أنشئ بقرار تشريعي أصدره المجلس التأسيسي قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة في نهاية العام الماضي.

الصراع بين هيئة الحقيقة والكرامة وحكومة الحبيب الصيد بدأ يأخذ شكلاً مباشراً خاصة بعد الاتهامات التي وجهتها، أول من أمس، رئيسة الهيئة، سهام بن سدرين، للحكومة الحالية بعدم تسهيل الوصول إلى «أرشيف البوليس السياسي» الموجود لدى وزارة الداخلية.

زهير المخلوف: الضحايا أنفسهم هم الأرشيف... لا أرشيف البوليس

وهذه الهيئة هي هيئة حكومية تونسية مستقلة أدى أعضاؤها اليمين الدستورية في 6 حزيران (يونيو) 2014 في قصر قرطاج، أمام الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، وتترأسها منذ تاريخ تأسيسها الناشطة الحقوقية سهام بن سدرين.
وقد قبلت الهيئة، بحسب رئيستها، نحو 12700 ملف، ستعمل عليها في حدود آجال عملها المحدد وفق القانون بأربع سنوات. وأوضحت بن سدرين أنّ الهيئة من حقها «التعهد ذاتياً بالملفات» ومن بينها تلك المعروضة أمام القضاء التونسي.

«أرشيف البوليس السياسي»

وقالت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين، إن الهيئة «غير قادرة على كشف الحقيقة ورفع المظالم دون النفاذ (الوصول) إلى أرشيف البوليس السياسي الذي لم تتمكن إلى اليوم من الاطلاع عليه، على عكس أرشيف الرئاسة» الذي صنفته ضمن «الأرشيفات الدكتاتورية».
واعتبرت بن سدرين أن «أرشيف البوليس السياسي» لا يشرّف وزارة الداخلية ولا حتى الأمنيين في «الجمهورية الثانية»، مضيفة أن «هذا الأرشيف هو أرشيف الدكتاتورية».
وفي رد سابق لبن سدرين على استفسار بخصوص الرواية المتعلقة بإتلاف جزء من ذلك الأرشيف، قالت إنه مهما أتلف فإن ما بقي من وثائق يكفي لكشف الحقيقة وتفكيك المنظومة الاستبدادية.
أما في ما يتعلق بجلسات الاستماع إلى ضحايا الانتهاكات، فقد أفادت سهام بن سدرين بأن الهيئة ستواصل عملها على هذا المستوى طوال أسبوعين، وهي فترة تجريبية سيتم على إثرها تقويم العمل المنجز وتحديد جدوى جلسات الاستماع وتصحيح بعض الأخطاء المنهجية إن وُجِدت، وذلك قبل المرور إلى مرحلة العمل المتواصل الذي سيمتد لعامين. وأشارت إلى أن جلسات الاستماع ستشمل الضحايا، سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة، من الجنسين ومن كافة الشرائح العمرية.

خلافات... داخل الهيئة نفسها

يبدو أن الخلافات داخل الهيئة المكلفة ملف العدالة الانتقالية متواصلة، إذ لوحظ غياب نائب رئيس الهيئة، زهير المخلوف، عن المؤتمر الصحافي. وهو يقول في حديث إلى «الأخبار» إنه قاطع الندوة لاختلاف في المواقف، ولأنه يعتبر أن التصريحات الأخيرة لعدد من أعضائها «مهاترات لا فائدة منها» وأنها تعرقل المسار ككل وتضرّ بالضحايا ولا تنفعهم.
ويشير المخلوف في الوقت نفسه إلى أن الخلافات الشديدة داخل الهيئة تنحصر بين من يرى أن لا إمكانية لتحقيق العدالة الانتقالية دون عمل مشترك مع الدولة، ممثلة بالقضاء وبوزارة الداخلية، ودون تحقيق ثقة المواطن بالدولة وثقة المواطن بالهيئة المكلفة بملفات الضحايا ــ أي هيئة الحقيقة والكرامة ــ وبين شق آخر يختار «التصادم العنيف مع الدولة».
وكانت بن سدرين قد أثارت منذ فترة قضية «أرشيف البوليس السياسي» وتمسكت بطلب فتح الأرشيف للاطلاع، مشيرة إلى أن أي مناورة من الحكومة هي بمثابة تعطيل لعملها. فيما يرى شق آخر داخل الهيئة نفسها أن أرشيف وزارة الداخلية لن يفيد عمل الهيئة في شيء، على اعتبار أن عناصر الأمن تحت حكم نظام بن علي كانوا لا يتركون أدلة على جرائمهم أو تجاوزاتهم في الوثائق التي يحررونها.
من هنا، يرى المخلوف أن «الضحايا أنفسهم هم الأرشيف» وأن شهاداتهم أهم من أي وثائق موجودة في أقبية وزارة الداخلية. ويقول إنّ الضحايا يعرفون جلاديهم القدامى بالاسم والكنية والملامح.
وينتقد مخلوف العودة من جديد إلى طرح سؤال «أي عدالة انتقالية نريد؟»، معتبراً أنه سؤال يعود بالمسار الانتقالي إلى السنة الأولى بعد «الثورة». ويشدد على أن توجهات الهيئة حيال محاسبة ومصالحة وحفظ الذاكرة ورد اعتبار الضحايا لم تُنجز بعد، لافتاً إلى أن هناك خللاً استراتيجياً في توجهات الهيئة. ويرى أن الهيئة لم تنجح بعد في أن تكون وسيطة لبناء الثقة بين المواطن والدولة.
وفي الحديث عن وضعية 1700 ضحية حصلوا سابقاً على وثائق تعيينهم في وظائف حكومية دون أن ينفذ ذلك حتى يومنا، يرى مخلوف أن الصراع والمواجهة التي تفتحها الهيئة اليوم مع الدولة لن تخدم هؤلاء الضحايا ولن تسهل حصولهم على حقوقهم، بل ستسبب تعطيل ملفاتهم... وانسداد مجمل المسار.




محكمة تلغي مصادرةأملاك بن علي ومقربين منه

قال مسؤولون، أمس، إن محكمة تونسية قضت بإلغاء قرار حكومي بمصادرة أملاك الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، وأقاربه بعد طعن أفراد من عائلته في قرار صدر في آذار (مارس) 2011 عقب «الثورة» التي أطاحته، وكان يقضي بمصادرة أملاك 114 شخصاً، هم بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي ورجال أعمال مقربين منه، إضافة الى عدد من كبار معاوني الرئيس السابق.
وبلغت قيمة الأملاك المصادرة التي تشمل شركات ويخوتاً وعقارات وسيارات فاخرة وغيرها مليارات الدولارات.
وقال وزير أملاك الدولة في تونس، حاتم العشي، إن المحكمة الإدارية قضت «بإلغاء المرسوم المتعلق بالمصادرة»، ووصف الحكم بأنه «قرار خطير جداً» و«صادم كثيراً». وقال إن الحكومة ستطعن فيه.
(رويترز)