دمشق | التباهي باستمرار وصمود سوق الأسهم بعد أربع سنوات ونيف من الحرب الطاحنة، هو السمة الأبرز في تصريحات القائمين على سوق دمشق للأوراق المالية، التي لم تتجاوز تداولاتها منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية نيسان الماضي حاجز 331 مليون ليرة سورية في 67 جلسة (ما يعادل 1.4 مليون دولار أميركي وفق سعر صرف قدره 245 ليرة)، أي ما معدله نحو 4.9 ملايين ليرة في الجلسة الواحدة (ما يعادل 20 ألف دولار)، فيما كانت قيمة تداولات الشهر الأول من بدء الأزمة في آذار عام 2011 تبلغ نحو 861 مليون ليرة (ما يعادل 18.717 مليون دولار وفق سعر صرف قدره آنذاك نحو 46 ليرة)، بمعدل وسطي قدره 45 مليون ليرة في الجلسة الواحدة (ما يعادل تقريباً 955 ألف دولار).


وأدى البيع المتواصل للأسهم من قبل مالكيها المستثمرين إلى خسارة مؤشر السوق «المثقل» 426 نقطة، متراجعاً بذلك من 1.629 ألف نقطة مع بدء الأزمة في آذار 2011 إلى 1.203 ألف نهاية نيسان الماضي، كذلك انخفض عدد حسابات المستثمرين المفتوحة لدى «مركز المقاصة والحفظ المركزي» في البورصة والوسطاء إلى 597 حساباً فقط، بعد أن كان قد وصل إلى 50 ألف حساب في أول عامين من انطلاق التداولات.


توجهات كاشفة

تلك المعطيات كانت ترجح توجه الحكومة إلى اتخاذ أحد قرارين: الأول يتمثل في تقليل عدد الجلسات، لكن ما حدث كان العكس تماماً، إذ تمت زيادتها جلسة واحدة منتصف العام الماضي لتصبح أربع جلسات أسبوعياً.


تفكير جدي بإصدار صكوك إسلامية وتداولها في سوق دمشق
أما القرار الثاني فهو يتعلق بالتوجه نحو تعليق التداولات إلى أجل غير مسمى، نتيجة ضعف الطلب على الأسهم إلى أدنى مستوى له منذ انطلاق أعمال البورصة عام 2009، إلا أن الحكومة تنظر إلى الاستثمار بالأسهم من زاويتين: الأولى منظورها «السيادي» القائم على اعتبار البورصة خطاً أحمر يمنع التفكير بإيقافها، والثانية رؤيتها الاقتصادية الكلية، التي ترى في البورصة قناة سيأتي يوماً وتأخذ دورها وتستوعب مدخرات المواطنين السوريين، بحسب رأي رئيس مجلس المفوضين لهيئة الأوراق المالية السورية الرئيس التنفيذي لبورصة دمشق الدكتور عبد الرحمن مرعي.
الأخير أشار في حديثه لـ«الأخبار» إلى أن «تجزئة القيمة الاسمية لسعر سهم الشركات المساهمة العامة المدرجة بالبورصة من 500 ليرة إلى 100 ليرة كان هدفه جذب الرساميل الصغيرة والمتوسطة للاستثمار بالأسهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى إضافة جلسة تداول أسبوعية».
هذه القرارات يناقض إصدارها اقتراح البعض بإيقاف نشاطات بورصة دمشق من باب الغيرة على الاقتصاد الوطني، علماً بأن «السوق المالية مكتفية ذاتياً من الأرباح العائدة من قيمة التداولات، وإن كانت ضئيلة، أي أنها لا تخسر خزينة الدولة كما يدعي المطالبون بإغلاقها».
ويستشهد مرعي بإنجازين للإشارة إلى متانة المركز المالي للبورصة، هما «إدراج شركتين مصرفيتين في السوق بنك الشام وبنك البركة»، ورأى في ذلك «إضافة حقيبتين استثماريتين كبيرتين للسوق»، في وقت لم يعر فيه نائب رئيس مجلس المفوضين الدكتور علي يوسف أي اهتمام لإدراج الشركتين، مستغرباً تهرّب عشرات الشركات المساهمة المؤهلة للإدراج عن التقدم للهيئة بهدف الإسراع في إدراج أسهمها. وأضاف في حديثه لـ«الأخبار»: «إن الفائدة الكبيرة من تداول الأسهم ووضوح بياناتها وإعطائها موثوقية لا تزال غائبة عن ذهن واهتمام أصحاب هذه الشركات، رغم النصائح والإرساليات المتتالية لهم من قبل أعضاء الهيئة». ويقول نائب المفوضين: «إن هيئة الأوراق تراسل باستمرار الشركات التي تحت إشرافها، والتي يصل عددها إلى نحو 52 شركة، بغية تشجيعها على الإدراج في السوق والانضمام بذلك إلى 24 شركة مدرجة حالياً».

معطيات رقمية

ثمة معطيات وإحصائيات رقمية يستند إليها البعض لدعم توصياتهم المتعلقة بتعليق التداولات، منها الإشارة إلى الانخفاض الواضح في مجموع رأسمال الشركات المدرجة، الذي لا يتجاوز اليوم 800 مليون دولار، أي أقل من ميزانية أي شركة في أي بورصة. فالقيمة السوقية لهيئة الأوراق المالية في دبي تجاوزت 300 مليار دولار، والسوق السعودية تداولت 480 مليار دولار عام 2014، أي إن القيمة السوقية لكل الشركات المتداولة في بورصة دمشق، حسب الخبير الاقتصادي الدكتور أسامة القاضي، «لا تعادل، على سبيل المثال، 1% من القيمة السوقية لشركة سابك السعودية التي تجاوزت قيمتها 102 مليار دولار في هيئة الأوراق السعودية». واتهم القاضي القائمين على السوق «بالمواجهة والتبرير لإبقاء بورصة دمشق، ولو من حيث الوجاهة، مفتوحة ومصدراً للدخل لهم، فكل ما يقال عن حجم التداول والأرباح يندرج ضمن السياسة الهادفة إلى المحافظة على استمرارية نشاط البورصة ما أمكن من الزمن».

76% من الشركات المدرجة ببورصة دمشق تعمل بالطاقة الدنيا أو متوقفة
ولفت إلى أن «76 % من الشركات المدرجة ببورصة دمشق هي مصارف، وتعمل بالطاقة الدنيا، أو متوقفة بسبب خلافات العقوبات أو خلاف المؤسسين «دول ومساهمين» الناتجة من الأحداث والاضطرابات وكيفية تعاطي الحكومة السورية معها».
كذلك إن إصدار مرسوم يتضمن تأسيس صندوق سيادي للاستثمار بالسوق المالية في عام 2013، دون زجه بالتداولات فعلياً، انعكس نفسياً على المستثمرين، وبالتالي على مجال الاستثمار بالأسهم وخفض من موثوقية هذه التداولات على المدى البعيد والمتوسط.

أوراق بديلة

لم يخف رئيس هيئة المفوضين وجود معوقات تقف حجر عثرة أمام ارتفاع قيمة التداولات، من أهمها «قلة الأسهم الحرة القابلة للتداول التي تساوي 30% فقط من إجمالي حجم الأسهم المدرجة، وعدم استطاعة مجالس إدارات الشركات توزيع أرباح سنوية أو أسهم مجانية بسبب تراجع أرباحها المحققة فعلياً». وأضاف مرعي عاملاً آخر يتمثل في «غياب تداولات السندات التي تعمل هيئة الأوراق على تفعيلها»، معتبراً أنها أسباب جوهرية لضعف جاذبية الاستثمار بالأسهم.
جديد الهيئة وفق ما كشف عنه الدكتور مرعي لـ«الأخبار» هو التفكير جدياً في إصدار صكوك إسلامية وتداولها في سوق دمشق للأوراق المالية التي من مهماتها أيضاً تداول السندات والصكوك بأنواعها كافة، إضافة إلى إعداد دراسة لتفعيل سوق السندات، التي من شأنها امتصاص فائض السيولة الموجود لدى النقابات المهنية وصناديق التقاعد ولدى البنوك التي لديها فوائض متعددة أو شركات أخرى بحاجة لهذه السندات، وهو ما يؤدي إلى امتصاص انخفاض السيولة، وتفعيل العملية الاستثمارية وتوجيهها في الاتجاهات الصحيحة التي تخدم البلد.